رئيس التحرير: عادل صبري 09:56 صباحاً | الخميس 29 أكتوبر 2020 م | 12 ربيع الأول 1442 هـ | الـقـاهـره °

حكاية شهيد في رابعة العدوية

حكاية شهيد في رابعة العدوية
31 يوليو 2013

حكاية شهيد في رابعة العدوية

إسلام ثابت

حكاية شهيد في رابعة العدوية

حينما تخطو القدمان لميدان العزة والكرامة؛ إلى رابعة العدوية من جديد تشعر بأنك ودعتَ العالم المعهود: أخلاقه وشوارعه، الغث والسمين فيه، وخطوت لمكان أكثر من رائع لكنه ما يزال في عالم البشر..

 

 اسمه عمر:

 

الشهيد عمر نيازي: شاب لديه تسعة عشر عاماً فقط، أبوه يعمل بالمملكة العربية السعودية، والأخير دائم الاتصال الدولي به من ديار الغربة لتوصيته بالسلامة، بل شدة المحافظة على حياته، وفي كل اتصال لا يردد عمر سوى كلمات: نعم .. حاضر يا أبي، فيما قلب الأب يرتاح، فالابن الذي كم تمنى الشهادة الآن تحت السيطرة، يسمع الكلام، وإن كان عبر سماعة الهاتف إلا أنه يعد بالتنفيذ، بل إن الأب يخترع من الكلمات ما هو كافٍ في وجهة نظره لكيلا يذهب عمر لميدان رابعة..

 

   رباه فأحسن تربيته، وتأخر في العودة من الغربة ليرتب له مستقبلاً أكثر من أفضل، ورآه كبرعم الوردة تصحو وتفتح أكثر في حضوره ..كما في غيابه، وآمن، ككل أب أن عقارب الزمان من المستحيل العودة للخلف، فلن يستطيع تغيير مواقف مرت به في حياته مؤلمة، وما ترتب عليها من نتائج أبرزها غربته، ولكنه يستطيع تعديل كل ما يريد من حياته فقط لما يحسن تربية ابنه عمر، وإعداد جميع سبل الراحة ومن قبل الامان له لكي يضمن له المستقبل الباهر، كما ضمن عمر الصغير له إعادة ماضيه إلى قيد الحياة، لكن على نحو أروع.

 

   لكن الأهم التعلق بجانب من لا يخشى أحد طالما تعلق بأهداب أبوابه، استقدم والد عمر الأخير للمملكة العربية السعودية مرات ومرات، بل لعله عاش معه هناك حتى نال الثانوية، وفي المنتصف، بل في البدء قبّل عمر الحجر الأسود، وطاف بالكعبة المشرفة، ورمى الجمرات، إنه حج سبعة مرات تحت عيني ابيه الذي دعا الله تعالى أن يحفظه له متديناً صالحاً، ونبتاً طاهراً يروي أفق حياته..

 

حفل زفاف عمر:

 

   وأثمرت التربية وكانت اول الثمرات الدينيوية أن نجح عمر في الثانوية وألتحق بكلية الهندسة الفرقة الأولى، وقال الأب بقيت سنوات معدودة وأراه خريجاً (قد الدنيا)، ولكن الأقدار كان لها رأي آخر أفضل، إذ إن عمر سأل الله الشهادة من قلبه، ودعا ربه أن يسامحه لأنه سينزل لميدان رابعة رغم كلمات أبيه المحذرة، ويوم الخميس 16من رمضان كان حفل زفاف عمر، ذلك اليوم الذي يرتب الأب له منذ سنوات وسنوات، بل يعد العدة لعمل يناسب سني غربته من أجل حياة افضل لابنه، والبداية العمل المناسب، ثم اختيار الزوجة الصالحة، أما الله تعالى فقد كان يعد الأفضل، تزينت حوريات في الجنة، وازدهين بعطر لو فاح على الأرض لكف أهل الدنيا عن الشجار ورؤية القبح في الحياة، تعطرت وتأنقت بآيات الجمال أكثر من حورية من اللواتي لم يمسسهن إنس ولا جان، فالليلة عمر قادم إليهن، وهو بعد صغير السن لم يعرف من الحياة ملوثاتها، ولم يتعرض لمتعها وفتنتها، وسرى صوت بين السماء والأرض قرب منتصف ليل الخميس أن مرحى بالأطهار القادمين، وانتظرت الأرواح الطيبة المخلصة قدوم دفعة جديدة من الشهداء، لما ذهب عمر للميدان فضاق الأخير به فقرر البقاء مع أصدقائه بخارجه، قرب المنصة أو بعيداً عنها، على بعد عشرات الأمتار من النصب أو على بعد المئات، عمر لا يعرف أن الأمنية التي عاش يحلم طوال حياته بها تقارب التحقق، عمر يعرف أنه متظاهر سلمي في بلد أعادت أرواح آلاف شهداء 25 من يناير قبلة الحياة للقانون فيه، عمر لا يعرف ان شريعة الغاب كانت مختبئة في عيدان الشر في بر مصر، وأن الزناد في يد صياد أشر يوشك أن يوجه رصاصته في جسد الصغير الطاهر الذي قرأ القرآن في رمضان، وحفظه على مدار أعوام عمره، وترطب لسانه بذكر الله، وما مارس خناً ولا دعارة، وما عرفت يده إلا السلام على الناس، وهو بين أقرانه يردد الأهازيج بعدما ضاق ميدان رابعة عنه، عقب ازدحامه الشديد ليلة الخميس استعداداً لمليونية جديدة صباح الجمعة، الفتى الصائم القائم نحيف الجسد.. ظل يردد الهتافات السلمية دون أن يدري بما هو مقدم عليه بعد دقائق..

 

   ولأن الأشرار فاض بهم فقد تخيلوا أن أمر الانقلاب كله يلزمه فقط يومان الأول يتم فيه، والثاني ييأس الناس والمصريين من مجرد حلم الأمل بعودة الديمقراطية فيه، فلما تبين لهم أن المصريين تمردوا على فجرة المتمردين، ولم يعودوا كما كانوا، لا في 1882 على يد عرابي والخديوي توفيق، ولا في عام 1954على يد محمد نجيب وجمال عبد الناصر، لما طال أمد ما تخيلوه نزهة مريحة، وتبين ان النزهة سوف يطول أمدها، بل إنها لم تعد نزهة، لذا قرروا إفساد نزهة عمر .. قنبلة غاز مسيل كانت كافية، أو حتى رصاصة في القدم ترج حلم الأب في دنيا نصيره في الحياة فلذة كبده عمر، ولكن لا تفقده للأبد، أما القناص فكان له رأي آخر، اما الأقدار فكانت غالبة..

 

كاميرات البث الإلهي:

 

    في ثانية صعدت روح عمر لعليين لملك قادر مقتدر لن يضيع من قدم أبوابه، فما باله لو كان شهيداً لم يحمل من أوزار الدنيا شيئاً، وخرج لنصرة مظلومين اغتالهم رصاص الغدر، وجلس بمنتهى الحضارية يطلب من قائد الانقلاب مراجعة نفسه، لو أنه ما تزال له نفس بشرية أو تمت لما خلق الله تعالى، أصابته الرصاصة في مقتل فجر الخميس، وتبسمت أكثر من واحدة من الحور العين وهي تظنه لها، ورفرف أكثر من ملك بجناحه مهرولاً ليتلقى أول قطرة دم من جسد عمر الطاهر، فيما كانت كاميرات البث الإلهي الدقيقة تتحرك في اتجاه واحد ضيق لا يعرف البشر كيف يسجلون فيه أو كيف يعرضون، إنه المليمتر الفاصل بين جفن عيني عمر وبؤبؤ العينين هناك رأى الفتى مكانه من الجنة فتبسم ورضي ورفع أصبع السبابة إلى السماء فيما كانت روحه ترتفع كانت زفرات المئات ترج الميدان، ودمه تأبى الأرض أن تمتصه وتهرول ملائكة السماء لتحتفي به..

 

   وفي طابور الشهداء الممتد لثمانية ساعات دخل عمر واحد منهم، ما اسمه، ما آخر رقم محمول اتصل به، كلمات العزاء لأمه ثقلت على قلبها، حزن ولوع وفقدج وبكاء ودمع وسؤال مر بين الحلق والحلق لا يستطيع الارتفاع للحبال الصوتية، سؤال عزيز على نفسها، بين حلق الدموع وحلق الصوت:

 

ـ كيف أبلغ أباه؟

 

عودة الأب وأمنيته:

 

    وعرف الرجل..

 

 

  وعصر الجمعة أعلن أحد الواقفين على المنصة أن الجثمان الطاهر لعمر وصل، وان طائرة تقل أباه أيضاً وصلت، والمسافة غير بعيدة من المطار لميدان رابعة العدوية، وتجلجلت نفوس، الأب المكلوم سيقول بوضوح للمدعو صفوت حجازي قتلتَ ابني فيما أنت وأبناؤك تعيشون، وستكون زلزلة على المنصة، ومن يقنع أباً عاش قرابة العشرين عاماً يربي ابناً، بل سافر وتعذب لأجله من يقنعه في لحظة الفيض العاطفي بأنه في الجنة، ولم لا يقول الرجل: ولكني أريد ابني إلى جواري الآن، وتكون فرصة للإعلام للتندر على ما يحدث برابعة، بل لفض الاعتصام كله، عناوين الصحف المسماة بالقومية السبت ستتحدث عن الأب الذي لقن حجازي والبلتاجي والعريان وعبد الستار وسلطان درساً في الحفاظ على الأرواح وقال في مرارة:

 

ـ أعيدوا إلي ابني..

 

ولما جاء الرجل كان اول ما قال:

 

ـ الريس مرسي تعظيم سلام .. الريس مرسي مفيش كلام..

 

وحيا الملايين وأبكاهم لما قال بعدها، الجملة التالية مباشرة:

 

ـ زغرودة لأم الشهيد..

 

ورددها مراراً، فيما أضاف:

 

ـ لو حيل بيني وبينك لأكلت كبدك ياسيسي ..

 

   احتسبه عند الله واوصى الملايين بالصبر، بل قال صفوت حجازي أنه كان خائفاً من لقاء الأب على الملأ خوف ردة فعله، فقال الأب:

 

ـ لقد سبقني عمر بالشهادة وأرجو أن أنالها على باب الأقصى قريباً.

 

   بكت ملايين لكلمات والد عمر العائد من السعودية بحقيبة السفر الحمراء بلون الدم للمنصة مباشرة، ولم يفطر بعد ساعتين الكثيرين غبطة لا حسداً لعمر الذي أفطر من كف حورية الجنة، تلك التي هي أحلاهن، وأكثرهن تلألأ، فيما معاوناتها بالعشرات يهدينها طيب الثمر، وغداً بإذن الله لنا موعد مع قصص شهداء أخرين، إن لم نعلم أسماءهمن فحسبهم أن الله أحصاهم ورأى مكانهم في الدنيا واتخذهم في الآخرة..

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

     

    أحدث المقالات

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    محمد إبراهيم

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    السيئ الرئيس!

    سليمان الحكيم

    السيئ الرئيس!

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    علاء عريبى

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    تامر أبو عرب

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    ما جريمة عادل صبري؟

    يحيى حسين عبد الهادي

    ما جريمة عادل صبري؟

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    أميمة أحمد

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    محمد إبراهيم

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    عادل صبري حفيد النديم

    سليمان الحكيم

    عادل صبري حفيد النديم

    عادل صبري وترخيص الحي!

    علاء عريبى

    عادل صبري وترخيص الحي!

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية

    السيد موسى

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية