رئيس التحرير: عادل صبري 04:26 صباحاً | الاثنين 30 نوفمبر 2020 م | 14 ربيع الثاني 1442 هـ | الـقـاهـره °

صُناع الغد

صُناع الغد
05 سبتمبر 2016

صُناع الغد

إكرام يوسف

يهوى كثيرون الاستغراق في الماضي وذكرياته، هربا من حاضر لا يتحملون قسوته! بينما يتجمد آخرون أمام محنة الحاضر، ويُشَلُ تفكيرهم ألما وحزنا ويأسا من تغييره! لكن الحياة دوما، تصبح أفضل بمن يتجاوزون الماضي والحاضر، وتبقى رؤوسهم مرفوعة وأبصارهم شاخصة إلى المستقبل، رغم أن سياط الحاضر تلهب ظهورهم! هؤلاء هم أبناء الغد وصناعه، من دونهم لا تتغير الأحوال إلى أفضل! أشخاصا ـ ربما لا يتوقع منهم المحيطون بهم قدرات غير عادية، وقد لا يتوقعون هم أنفسهم أو يدركون أن التاريخ يعدهم لمهمة أعظم ـ تكون رسالتهم تغيير مجتمعاتهم، وربما الدنيا!


فلم يكن نور خليل ـ شقيق الشاب إسلام خليل، الذي اختفى أكثر من أربعة شهور، داخل مقرات الأمن الوطني تحت التعذيب المتواصل ليظهر على ذمة قضية ملفقة متهما فيها بقلب نظام الحكم ـ يتمنى ليلة أول أيام هذا الشهر، سوى معجزة يخرج بفضلها من قسم السنطة، حيث يعاني تعذيبا وحشيا، لا لشيء سوى أنه يرفض التوقع على استمارة خروج من الحبس، بينما هو لا يزال بين أيديهم! وشاركنا، على صفحات فيس بوك، الشقيق الرائع، تخوفه من أن يذعن إسلام تحت التعذيب، فيوقع ثم يخفونه أو يقتلونه، حتى لا يحكي بعد خروجه عن فظائعهم! أو ألا يتحمل جسده وطأة التعذيب، فتصعد روحه إلى بارئها تشكو مجرمين ينهشون لحم أبناء هذا الوطن!

كان إسلام، قد صدر قرار بإخلاء سبيله قبلها بعشرة أيام، غير أن، "وزارة الأخطاء الفردية" تفننت في افتعال حجج لإبقائه بين أيدي جلاديها، عازمة كما قال له أحدهم على "ألا يخرج أبدا"! َ! ولم يكن ليخرج بالفعل، لولا ضغوط عشاق الحرية، على كل من يستطيع أن يقدم يد العون، حتى تجاوز صوتهم حدود الوطن، وأصدرت منظمة العفو الدولية بيانا يدعو لإنقاذ إسلام خليل، فخرج في أول ساعات سبتمبر إلى أحضان شقيقه الرائع وأهله الطيبين وأصدقائه الأحرار!

وخلال ساعات الليل، لم يكن يشغلنا جميعا سوى إنقاذ حياته بأي ثمن ـ إلا إهدار كرامة إسلام في التوسل وطلب الرحمة من الطغاة ـ حتى وإن اضطر بعضنا للذهاب إلى السنطة والاعتصام أمام القسم! كان كل ما يشغل المهتمون بالمأساة، ألا ينجحوا في إخفائه إلى الأبد هذه المرة! غير أن هذه الساعات حملت معها درسا يضاف إلى خبرات النضال التي تتراكم ـ من دون قصد أو افتعال ـ في العقل الجمعي للمناضلين وللشعوب: صمود إسلام وتصميمه ـ رغم التعذيب ـ على عدم التوقيع على استمارة الخروج قبل أن تتم إجراءات خروجه بالفعل تحت أعين محاميه وأهله! لم يكن التعذيب محتملا، ففي الساعات الأخيرة كان معلقا من إحدى يديه في حلقة مثبتة بسقف الزنزانة، حتى أُغمى عليه من قسوة الألم، فأفاقوه وتركوه على نفس الوضع! لكن صموده رغم الآلام المبرحة، ترك لنا درسا ينبغي أن نستوعبه "اصمد!".

يدرك المؤمنون أن طاغية لن ينجح في أن يقصر من العمر لحظة، كما لن يطيل الاستسلام عمرا! ويؤمن الجميع أننا جميعا إلى زوال. فما قيمة أن تحيا مسلوب الكرامة! اصمد! فأقصى ما يستطيعون، انتزاع حياتك، التي ستنتهي شئت أو أبيت يوما ما. لكنهم لا يملكون انتزاع كرامتك، واحناء رأسك. اصمد! وكن كبيرا وعظيما مثل إسلام، وشقيقه نور؛ الذي لم نره لحظة ضعيفا باكيا، وظل قويا صامدا يدافع عن أخيه ويحشد بكل قواه المتعاطفين معه، ويقودهم إلى انتزاع حقه! كان نور مثل إسلام في الصمود والقوة، على الرغم من أنهما بالتأكيد، لم يكونا يقصدان إعطاء دروس لأحد! لكنهما ـ قدما أعظم الدروس النضالية: المناضلون لا يتوسلون الشفقة من جلاديهم، ولا يعنيهم أن يذرف البعض دموعه، أو يعلن عن تمزق قلبه هلعا عليهم! يضربون أمثلة في الصمود، ويدعمهم أن يكون القريبون منهم على نفس القدر من الصمود والإصرار، حتى تتحقق لهم الحرية، ومعها حرية الوطن كله!

وبعد إسلام، ما زال الآلاف في سجون الظلم، يدفعون ثمن الحرية بدلا منا جميعا، منهم ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ زميلنا الصحفي الشاب الحر محمود السقا الذي صار قيد الحبس الانفرادي، عقب الإفراج عن رفيق زنزانته عمرو بدر، يعاني من نزيف لأكثر من شهرين، لكنه لا يستجدي الرحمة أو الشفقة! ويواجه محنته رافع الرأس، مؤمنا أنه يدفع ثمنا لا بد منه، كي نعيش جميعا واقع يحلم به ونتمناه!

ومثله معتقلو الأرض أحمد سالم وسيد البنا وسيد جابر، والمحامي الحقوقي الثائر هيثم محمدين، والجراح النابه أحمد سعيد، طبيب المستشفى الميداني، وغيرهم كثيرون لا نحفظ أسماءهم، وقد لا يحظون بدعاية مماثلة لكونهم من أبناء الأقاليم، ولم يحشد أصدقاؤهم بشكل كاف للتعريف بهم، مثل الشاب أحمد فكري من المنصورة وغيرهم! ولا ينتظر هؤلاء المناضلين ـ صناع الغد في زنازينهم ـ شفقة ولا رحمة، بل أنهم يرفضون مشاعر الشفقة، والدموع ـ التي ترضي غرورو سجانيهم، فيتلذذون بالشماتة فيما يعتقدونه انكسار العظماء! ـ ولا يطمع أيهم في حل فردي ينهي محنته الشخصية! لكنهم يتوقعون أن يواصل رفاقهم النضال، من أجل تحقيق ما آمنوا به معا.

وربما لا يعلم معظمهم أنهم بصمودهم يكتبون تاريخا سوف تفخر به أجيال، فالحرية كما قلت في مقال سابق، لا تتحقق إلا "مدفوعة الثمن مقدما"، ولا تأتينا "هوم دليفري"! وتأبى سنة التغيير إلا أن تختار من يستحقون أن يكونوا صناعا للغد، كي يدفعوا الثمن الباهظ، لكنه يهون في أعينهم، مقابل ما سيحققونه لأوطانهم ولأهلهم "الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية"!

تختار سنة التغيير أناسا، لا تقبل لهم حياة عادية كآخرين، لا تختلف عن بقية الكائنات ـ طعام وشراب وتزاوج وإنجاب ـ إلا في السعي نحو كنز الثروة وامتلاك الأشياء أو المناصب؛ وجميعها في نظر العظماء، أرخص كثيرا من أن يكون لحياتك معنى نبيلا وقيمة عظيمة، تفنى من أجلها!

تتعلم الشعوب دروسا من مناضليها، الذين اختارهم التاريخ لتفعيل سنة التغيير. غير أن الطغاة لا يتعلمون، فيكتبون بأيديهم نهايتهم! تمنعهم "متلازمة الغباء المصاحب للكرسي" من استيعاب درس يتكرر كل يوم منذ بدء الخليقة، ويلخصه شعار نردده منذ السبعينيات "عمر السجن ما غير فكرة، عمر القهر ما أخر بكرة"!

المناضلون لا تكسرهم السجون ولا محنة التعذيب، بل تصقلهم التجربة وتزيدهم ثباتا صلابة، وإصرارا على تحقيق النصر! تأملوا تصريحات المناضلين المفرج عنهم في أغسطس الماضي وحده ـ ماهينور المصري، ويوسف شعبان، ومختار طاهر، ومالك عدلي، وعمرو بدر، على سبيل المثال ـ وإصرار كل منهم على مواصلة النضال، وأن محنة السجن لم تزدهم إلا صلابة وإصرارا، لتتأكدوا أن قطار الثورة انطلق، ولن يتوقف إلا في محطة النصر! وأن كل محاولات تعطيله أو انحرافه عن مساره، مآلها الفشل، حتى لو سالت دماء طاهرة، واستشهد عظماء لهم المجد، وأصيب رائعون، وقيدت حرية الآلاف، الثورة مستمرة!

وإلى من يتساءلون عن البديل: البديل الآن بعضه في سجون الطغاة وبعضه خارجها يواصل النضال! وتذكروا تجربة نيلسون مانديلا في جنوب إفريقيا: لم يكن العنصريون البيض الطغاة يتوقعون أن من سجنوه 27 عاما، وأذاقوه ويلات الذاب، سوف يكون البديل لحكمهم العنصري! كما لم يتوقع ذلك حتى محبيه وأهله. لكنه ظل شاخصا ببصره إلى المستقبل مؤمنا أنه أفضل، عازما على أن يشارك في صنعه، فلم ينشغل باجترار الماضي ولم يتجمد عند حاضر تعيس! اصمدوا! فالنصر كما يقولون صبر ساعة. وإذا كانت دولة الظلم ساعة، فقد هانت. باقي دقائق!

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    أحدث المقالات

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    محمد إبراهيم

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    السيئ الرئيس!

    سليمان الحكيم

    السيئ الرئيس!

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    علاء عريبى

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    تامر أبو عرب

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    ما جريمة عادل صبري؟

    يحيى حسين عبد الهادي

    ما جريمة عادل صبري؟

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    أميمة أحمد

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    محمد إبراهيم

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    عادل صبري حفيد النديم

    سليمان الحكيم

    عادل صبري حفيد النديم

    عادل صبري وترخيص الحي!

    علاء عريبى

    عادل صبري وترخيص الحي!

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية

    السيد موسى

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية