رئيس التحرير: عادل صبري 03:26 صباحاً | السبت 06 يونيو 2020 م | 14 شوال 1441 هـ | الـقـاهـره °

محمود الخضيرى.. القاضي الفدائي

محمود الخضيرى.. القاضي الفدائي
27 يوليو 2015

محمود الخضيرى.. القاضي الفدائي

محمد سيف الدولة

محمود الخضيرى.. القاضي الفدائي

لشيخ القضاة المستشار يحيى الرفاعى، مقولة شهيرة فحواها أن "غالبية القضاة شرفاء، ولكنهم ليسوا فدائيين".

 


ولقد قالها فى سياق مطالبته باستقلال القضاء، وتحصين القضاة فى مواجهة ضغوط وإغراءات وتجاوزات السلطة التنفيذية لتزوير الانتخابات، فهو يرى أن غالبية القضاة يرفضون تزوير الانتخابات، ويودون لو تمكنوا من الإشراف عليها اشرافًا حقيقيًا فى مواجهة عبث أجهزة السلطة التنفيذية. ولكنهم من ناحية أخرى ليسوا جميعًا على استعداد لتعريض أنفسهم لاعتداءات وتجاوزات وإهانات رجال الشرطة فى اللجان الانتخابية، أو لانتقام ومضايقات وجزاءات وزارة العدل ورئاسة الجمهورية فيما بعد.


وهو ما يتطلب توفير كافة الضمانات لاستقلال القضاء وحماية القضاة فى مواجهة تغول وتدخل وانتقام السلطة التنفيذية، كشرط لتمكينهم من القيام بالأدوار المنوطة بهم، وتحقيق فاعلية الإشراف القضائى والنزاهة التامة للانتخابات.

***

ورغم هذا التوصيف الواقعي للرفاعى، إلا أن المستشار محمود الخضيرى كان واحدًا من الاستثناءات لهذه القاعدة، فلقد كان من القضاة القلائل الذين قرروا واختاروا أن يكونوا فدائيين غير عابئين بالعواقب.


كان من تلاميذ شيخ القضاة، ومن رموز وقيادات تيار الاستقلال الذى أدار وقاد نادى القضاة خلال العشر سنوات الأولى من الألفية الجديدة، والذى انحاز إلى والتحم مع مشروع القوى الوطنية المصرية وحلمها بمجتمع حر وديمقراطى وعادل فى مواجهة نظام مبارك التابع والمستبد والفاسد. وهو الانحياز الذى كان له بالغ الأثر فى التمهيد لثورة يناير.

***

لم يكن الخضيرى، قاضيًا صغيرًا لن يخسر إلا القليل، وإنما تقلد أرفع المناصب فى سلك القضاء، فكان أحد نواب رئيس محكمة النقض. وهو منصب يوفر لصاحبه مكانة اجتماعية ممتازة، وشبكة قوية من المعارف والعلاقات العامة بكافة مؤسسات الدولة ورجالها. كان يملك لو أراد أن يوظفها للاقتراب من السلطة والفوز بأحد مناصبها التنفيذية، أو لتحقيق مجموعة من الفوائد والمكاسب والامتيازات الشخصية كما يفعل غيره. أو على أضعف الإيمان أن يكتفى بها ويعيش ما تبقى له من سنوات فى هدوء وأمان وراحة بال بعيدًا عن المخاطر والمضايقات والمطاردات.


ولكنه رفض كل ذلك، وتحدى استبداد النظام الحاكم، فى أوج قوته، وناضل مع رفاقه من أجل استقلال السلطة القضائية وتحرريها من قبضة السلطة التنفيذية. مع إدراكه الكامل لما يمكن أن يترتب على ذلك من عواقب، بل أنه قرر، رغم كل المخاطر، واحتجاجًا على أحواله والتدخل فى شئونه، أن يترك سلك القضاء، ويضحي بما يوفره له من حصانة، فاستقال من المنصة عام 2009 فى عز جبروت نظام مبارك، وقبل أن يخطر على بال أحد أنه أوشك على السقوط، وأن هناك ثورة على الأبواب.

***

وفى السنوات القليلة بين استقالته وقيام الثورة، شارك بكثافة وإيجابية فى عديد من فاعليات وأنشطة القوى السياسية المعارضة. أتذكر منها على وجه الخصوص، مشاركاته فى ندوات ومؤتمرات نصرة فلسطين والمقاومة ضد الاحتلال وحروبه العدوانية، وفى المطالبة بفك الحصار ورفض الجدار الفولاذي الذى أقامه مبارك على الحدود المصرية الفلسطينية بتوجيه من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.

***

وحين تفجرت الثورة، كان أحد المقيمين الدائمين فى ميدان التحرير، لم يغادره إلا الى ميادين الإسكندرية. وكان أحد الحكماء والمرجعيات الذى تحرص كل مجموعات الثورة المختلفة على إشراكه ومشورته فى قراراتها الميدانية. ولا أقول أنه كان أحد قيادتها، لأن الثورة لم يكن لها قيادة موحدة.


لقد كان من أبرز المشاركين في الثورة منذ لحظاتها الأولى، قبل أن يتضح الخيط الأبيض من الأسود، قبل موقعة الجمل، حين كانت الأمور لا تزال على المحك، والمعركة لم تحسم بعد، ومخاطر وعواقب المشاركة جسيمة، والمصائر مجهولة والاحتمالات والعواقب كلها واردة. وكان نظام مبارك لا يزال على الأرض، ولا يزال يجتمع مع المجلس العسكرى الذى لم يكن قد أعلن بعد امتناعه عن ضرب المتظاهرين، بل كان يرسل طائرات "إف 16" لإرهاب المعتصمين فى الميدان. وحين كان لا يزال كثيرون يدعمون مبارك ويدينون المعتصمين، وآخرون مترددون لم يحسموا موقفهم بعد، خوفًا من فشل الثورة وتحمل العواقب.

***

وتقديرا لمواقفه الوطنية والشجاعة، كرمه الشعب المصرى بعد الثورة، فقاموا بانتخابه فى أول انتخابات نزيهة تشهدها البلاد منذ زمن بعيد، ضد طارق طلعت مصطفى، أحد كبار مليارديرات مبارك وعضو الحزب الوطنى، لينهى الاحتكار الذى استمر ربع قرن من آل طلعت مصطفى للدائرة الثانية بالاسكندرية.

***

وبمتابعة أبرز مواقفه بعد الثورة، نجده كان من أهم المطالبين بتطهير الحياة السياسية والشرطة والقضاء، ولقد طالب فى سياق ذلك باستبعاد كل القضاة الذين شاركوا فى تزوير الانتخابات في أعوام 2010 و 2005 وما قبلهما. وكشف عن تعاون البعض منهم مع جهاز مباحث أمن الدولة فى هذا الشأن. وهو ما عرضه، مع بدايات عودة مؤسسات مبارك إلى الظهور، للتحقيق بتهمة الإساءة إلى السلطة القضائية وإهانة القضاء، وتم إخلاء سبيله بكفالة 3000 جنيه. ولكن يبدو أن النوايا كانت مبيتة للثأر منه وعقابه على مواقفه قبل الثورة وبعدها.

***

وبالفعل تم اعتقال الخضيرى فى 25 نوفمبر 2013، وتقديمه للمحاكمة مع آخرين وإدانته بالسجن لثلاث سنوات بتهمة تعذيب أحد الأشخاص فى ميدان التحرير فى يوم 3 فبراير 2011، أى فى اليوم التالى لموقعة الجمل، لتكون إدانته بمثابة "السابقة" و"الكاشفة"؛ سابقة من حيث أنها أول إدانة على أفعال ومواقف وقرارات اتخذها الثوار فى خضم أيام الثورة الأولى، أى فى الـ (18 يوم البِيض)، والتى كانت تعتبر قبل هذا الحكم القضائي، فى مصاف الاعمال البطولية والثورية، ومن قبيل الإدارة الحكيمة للميدان وحماية الثورة والمعتصمين من الاختراق والفتن ومؤامرات النظام وأمنه.


وهى كاشفة من حيث أنها كشفت عن حقيقة موقف السلطة الحالية بكافة مؤسساتها من ثورة يناير، التى يعتبرونها، على عكس ما يدعون، كارثة وفوضى وجريمة تستوجب العقاب والانتقام.


فالجميع يعلم علم اليقين أنه بعد موقعة الجمل، قرر الثوار فى ميدان التحرير بالإجماع، تحصين الميدان، وفرض إجراءات صارمة على كل من يدخله، وتشكيل لجان أمنية تشرف على المداخل والمخارج وتفتيش المارة والتحقق من شخصياتهم، وتوقيف المخبرين ورجال الأمن والشرطة السريين، والتحقيق معهم وتسليمهم إلى القوات المسلحة..الخ. وهى الإجراءات التى نجحت إلى حد بعيد فى حماية المعتصمين، ولولاها لارتفع عدد شهداء الثورة أضعافًا مضاعفة.


وكثيرًا ما كان الشباب يفقدون السيطرة على غضبهم، بالذات بعد أن سقط من بينهم شهداء برصاص قوات الأمن والقناصة والبلطجية، فكانوا ينهالون بالضرب على الجواسيس والبصاصين، إلى أن يتدخل الشيوخ والعقلاء من أمثال المستشار الخضيرى لإنقاذهم وتحريرهم من أيادى الغاضبين.

***

ثم بعد كل ذلك يكون السجن هو مصير مستشارنا الجليل بتهمة متهافتة! ولا تتناسب مع عمره الذى يناهز 75 عامًا، ولا مع حالته الصحية التى تتطلب اصطحابه الدائم لمرافق بسبب ضعف بصره، بل إنه من المفارقات المؤلمة والصادمة والدالة فى نفس الوقت، أنه بعد مرور أربع سنوات على الثورة ضد "مبارك" ، يقبع أبرز معارضيه من القضاة فى السجن، بينما يتقلد أقرب رجاله منصب وزير العدل.

***

وفى الختام، نسجل قلقنا البالغ وخوفنا الشديد على كل المعتقلين من المسنين والمرضى، لا قدر الله، من مصير عديد من نظرائهم الذين استشهدوا فى السجون على امتداد العقود الماضية. نذكر منهم المرحوم المهندس عبد العظيم أبو العطا، الذى اعتقله السادات فى سبتمبر 1981، رغم سابق اختياره له وزيرًا للرى وللزراعة، وموته فى السجن بعد إصابته بوعكة صحية لم يجد من يسعفه منها.


كما نذكر الدكتور محمود القاضي الذى كان من أشرس معارضى السادات وكامب ديفيد فى برلمان 1976 الذى تم حله عام 1979، وتم اعتقاله أيضًا فى سبتمبر 1981، وتدهورت صحته بشدة فى السجن، ليتوفاه الله فى العام التالى لخروجه منه عن عمر يناهز 59 عاما. والقائمة تطول.

***

حفظ الله المستشار الجليل محمود الخضيرى، والحرية له ولكل المعتقلين من الثوار والمظلومين، وفى مقدمتهم المرضى والمسنين.

 

للتواصل مع الكاتب عبر البريد الإلكتروني.. اضغط هنا

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    أحدث المقالات

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    محمد إبراهيم

    تضامنا مع مصر العربية.. الصحافة ليست جريمة

    السيئ الرئيس!

    سليمان الحكيم

    السيئ الرئيس!

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    علاء عريبى

    يسقط المواطن ويحيا القولون الغليظ!

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    تامر أبو عرب

    عزيزي عادل صبري.. والاس هارتلي يُقرؤك السلام

    ما جريمة عادل صبري؟

    يحيى حسين عبد الهادي

    ما جريمة عادل صبري؟

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    أميمة أحمد

    عادل صبري.. المثقف الوطني وجه مصر

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    محمد إبراهيم

    نظرة على الانتخابات بعد انتهائها

    عادل صبري حفيد النديم

    سليمان الحكيم

    عادل صبري حفيد النديم

    عادل صبري وترخيص الحي!

    علاء عريبى

    عادل صبري وترخيص الحي!

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية

    السيد موسى

    عادل صبري رمز الصحافة المهنية