رئيس التحرير: عادل صبري 02:07 صباحاً | الأحد 07 مارس 2021 م | 23 رجب 1442 هـ | الـقـاهـره °

«حرب المقرات».. السعودية تصارع دبي على «الشركات الإقليمية»

«حرب المقرات».. السعودية تصارع دبي على «الشركات الإقليمية»

منوعات

صورة تخيلية لمشروع نيوم

«حرب المقرات».. السعودية تصارع دبي على «الشركات الإقليمية»

عمر مصطفى 18 فبراير 2021 18:50

تمتعت إمارة دبي لسنوات طويلة بوضع مستقر كونها المكان الأكثر ملائمة للشركات الدولية الباحثة عن مقر إقليمي لأعمالها في الشرق الأوسط، لكن تلك المكانة تبدو مهددة في السنوات القليلة المقبلة، بعدما دخلت السعودية، صاحبة الاقتصاد الأكبر عربيا، حلبة المنافسة، ملوحة بعصا الاستبعاد لأي شركة دولية لا تتخذ من المملكة مقرا إقليميا لها.

 

وجعلت البنية التحتية الحديثة والقوانين السلسة من دبي المقر الإقليمي المفضل للشركات الدولية، لكن خروج الرياض من عباءة التشدد في السنوات الأخيرة أيقظ منافسا عملاقا. وقد سهّلت الإمارة الخليجية الثرية فتح الأعمال التجارية في منطقة تعاني من البيروقراطية مما ساعدها على استضافة حوالي 140 مقرا لشركات كبرى خلال ثلاثة عقود، أكثر من أي مدينة أخرى في الشرق الأوسط.

 

وبينما كانت بيئة الأعمال تزدهر في دبي، تعثر النمو في الرياض، بسبب السياسات المتشددة والتهديدات الأمنية والفساد. لكن ولي العهد محمد بن سلمان سعى إلى وضع حد لذلك عندما تولى منصبه في عام 2017. وقد باتت المدينة المحاطة بالكثبان الرملية تنعم بازدهار نسبي وتشهد افتتاح أعمال جديدة بوتيرة متسارعة، من المطاعم إلى الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا.

 

وجذبت المملكة 24 شركة متعددة الجنسيات لتأسيس مقر إقليمي لها في الرياض، ضمن سعيها لتحويل عاصمتها الرياض إلى مركز أعمال يُنافس مكانة دبي، بحسب تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" في يناير الماضي.

 

وتشمل الشركات التي ستنشئ مقاراً إقليمية لها في الرياض، المجموعة الهندسية الأمريكية "بكتل" (Bechtel)، وشركة الفنادق الهندية "أويو" (Oyo)، كما كشف فهد الرشيد، الرئيس التنفيذي للهيئة الملكية لمدينة الرياض.

طموح جامح

وقال الأمير البالغ من العمر 35 عاما في يناير الماضي إن هدفه "أن تصبح الرياض واحدة من أكبر عشر اقتصادات مدن في العالم" صعوداً من موقعها الحالي في المركز 40. ولتسريع هذا الهدف، أعلنت الرياض أنّها ستوقف اعتباراً من مطلع العام 2024 التعامل مع أي شركات أجنبية تقيم مقرات إقليمية لها خارج السعودية.

 

وتمثّل الخطوة المفاجئة تحدّيا مباشرا لدبي وتهدّد بسباق مفتوح محتدم بين الجارتين الحليفتين، السعودية والإمارات. وقال الأستاذ المساعد في كلية لندن للاقتصاد والسياسة ستيفن هيرتوغ لوكالة فرانس برس "لا أعتقد أن هذه هي النية ولكن هذا ما سيحصل عمليا، كون دبي الموقع المفضّل كمقر إقليمي للشركات الدولية".

 

وفي عهد الأمير محمد، تبنّت السعودية سلسلة من التغييرات الاجتماعية التي لم يكن من الممكن تصورها في السابق، وعدّلت بعض قوانينها المتشددة. وفتحت الرياض، المدينة التي يبلغ عدد سكانها 7,5 ملايين نسمة وكان يُنظر إليه على أنها معقل لسياسات المحافظين، أبوابها للترفيه والاستثمار، وهمّشت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونفّذت حملات لمكافحة الفساد.

سقطة مقتل خاشقجي

وتلطّخت عملية التجديد بجريمة قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في اسطنبول عام 2018، والحملة القمعية ضد المعارضة التي شهدت وضع العديد من المنتقدين السلميين وراء القضبان. ولكن الوجه الجديد للعاصمة جذب مع ذلك مستثمرين كثر يأملون في الاستفادة من مشاريع بمليارات الدولارات مثل مدينة نيوم المستقبلية الضخمة المخطط لها على ساحل البحر الأحمر.

 

ومن بين هؤلاء رائدة الأعمال السعودية هيا أخضر وزوجها الفرنسي اوغو بوديز اللذان أنشآ شركة استشارية متخصّصة في العلامات التجارية الفاخرة في دبي عام 2017. وبالنسبة للزوجين الشابين، فقد حان الوقت للتوجه نحو الرياض وفتح مكتب هناك، إنما من دون أن يتخلّيا عن مقر شركتهما في دبي.

 

وقال بوديز لوكالة فرانس برس "لقد شاهدنا نمو السوق وتحول اهتمام العديد من العلامات التجارية إلى السعودية، وتحديدا الرياض"، مضيفا "نحتاج لأن نكون قريبين من عملائنا في كلا السوقين المهمين". ويقول المسؤولون السعوديون إن المملكة تستضيف أقل من 5 بالمئة من المقرات الرئيسية للشركات الكبرى في المنطقة رغم أنها تمثّل "حصة الأسد" من الأعمال والعقود إقليميا.

 

وكانت صحيفة "فايننشال تايمز" قد كشفت في 31 يناير الماضي عن توجُّه وزارة الاستثمار السعودية والهيئة الملكية لمدينة الرياض في الأسابيع الأخيرة إلى الشركات متعددة الجنسيات، والطلب منها التعهد بفتح مقرٍّ إقليميٍّ لها في الرياض.

 

وتميل الشركات الدولية إلى اتخاذ دبي مقرَّاً إقليمياً لها، أو إمارة أبو ظبي الغنية بالنفط، أو البحرين التي كانت تاريخياً بمثابة جسر لهذه الشركات إلى السوق السعودية. إلاّ أنَّ الشركات متعددة الجنسيات تأخذ في الحسبان، وعلى نحو متزايد، الحجم الهائل للاقتصاد السعودي على مستوى المنطقة، فقد عزَّزت في الأشهر الأخيرة شركات، مثل "جوجل"، و"علي بابا"، و"أمازون" وجودها في المملكة.

 

وفي هذا السياق، يقول سام بلاتيس، الرئيس السابق للعلاقات الحكومية الخليجية في شركة "جوجل"، الذي يُقدِّم المشورة الآن لشركات التكنولوجيا بشأن دخولها إلى السوق السعودية: "أياً يكن المسار الذي تعتقدون أنَّ الاقتصاد السعودي سيتخذه، ستظلُّ البلاد تتمتَّع بأكبر اقتصاد عربي، وستبقى لديها كميات هائلة من النفط، وسكان بحجم سكان كندا تقريباً".

دبي تستعد للمنافسة

وبعدما وصلت رياح المنافسة للإمارات، استجابت الدولة النفطية بسرعة للتحدي الجديد، حيث رفعت الحظر المفروض على إقامة غير المتزوجين معا، وخففت القيود المفروضة على الكحول، وعرضت تأشيرات طويلة الأجل مع منح الجنسية لأفراد معينين، كما وقّعت اتفاق تطبيع علاقات مع إسرائيل ليجتمع معا أكثر اقتصادات المنطقة تنوّعا.

 

وقال الخبير في شؤون الشرق الأوسط في مؤسسة "ستراتفور" الاستشارية ريان بوهل إن على الإمارات أن "تسرّع بعض الإصلاحات التي لا تزال غير ممكنة في السعودية" حتى تظل قادرة على منافسة المملكة التي يسكنها 34 مليون شخص اكثر من نصفهم من الشباب. ولا تزال المدن السعودية تفتقر إلى البنية التحتية الملائمة في قطاعات رئيسية مثل النقل والمصارف، بينما تعاني بعض الوزارات من بيروقراطية متجذّرة.

 

وبحسب بوهل، فإنّ الرياض بعيدة جدا عن "دبي وحتى أبوظبي من حيث الليبرالية الاجتماعية والإسكان والتعليم وأماكن الترفيه". وتابع أن "الحقيقة الصعبة الأخرى هي أن في السعودية 19 مليون مواطن محافظ إلى حد كبير سيكونون أقل قابلية للتفاعل مع العادات الاجتماعية الغربية لسنوات قادمة مقارنة بالإمارات".

 

وهذه ليست التحديات الوحيدة. فبينما يُنظر إلى دبي على أنها واحدة من أكثر المدن أمانا في المنطقة، تواجه الرياض تهديدا من متمردي اليمن حيث تقود تحالفا عسكريا منذ 2015، والجماعات المتطرفة على حد سواء.

 

ومن المتوقع أن تتعرض جهودها لتحسين صورتها لضغوط من قبل الإدارة الجديدة في الولايات المتحدة بعدما لوّح الرئيس جو بايدن بجعل المملكة "منبوذة" على خلفية جريمة مقتل خاشقجي وسجلّها الحقوقي وحرب اليمن.

 

وكتب استاذ العلوم السياسية الاماراتي عبد الله عبد الخالق في تغريدة أمس الأربعاء "الشركات والمصارف العابرة للقارات التي تتخذ دبي مقرا منذ 30 سنة (...) اختارت دبي دون غيرها بسبب نوعية الحياة والميزات التنافسية وبيئة تشريعية واجتماعية وبنية تحتية فريدة". وأضاف" لن تتركها، رغم ذلك مليون أهلا بالمنافسة".

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    اعلان