رئيس التحرير: عادل صبري 03:44 مساءً | السبت 26 سبتمبر 2020 م | 08 صفر 1442 هـ | الـقـاهـره °

السيسي.. الصورة والشائعة لعبة أجهزة المخابرات

السيسي.. الصورة والشائعة لعبة أجهزة المخابرات

ملفات

الصورة الذهنية للرئيس السيسي رسمها جهاز متخصص في صناعة الصور والشائعات

سرقة العقول.. وصناعة الوهم (دراسة) ج: 8

السيسي.. الصورة والشائعة لعبة أجهزة المخابرات

زادت حدود أسطورة السيسي كبطل شعبي لتدخل دائرة أوسع هي دائرة البطل القومي

ياسر بكر 25 سبتمبر 2014 13:44

 

حملة ضخمة من التسريبات سبقت السيسى في الوصول إلى كرسى الرئاسة بصورة معلنة.. وهي تسريبات تحمل بصمات من صنعها وتشى صياغتها أنها تمت في أروقة مؤسسات تحترف إنكار وجودها وإخفاء تأثيرها؛ بحيث تبدو أساليب السيطرة التوجيهية التي تمارسها مألوفة أو شبة عادية.

جاء ضمن هذه التسريبات: "السيسي معاناة.. السيسى عذاب"، و"الشعب اتعود ياخد كل حاجة ببلاش"، و"أي ضابط هيقتل مش هيتحاكم.. بقولكوا أهه"، و"يعني إيه واحد ولا واحدة ماشى وحاطط تليفون على ودنه وعمال يتكلم.. لو بإيدى الأمر أدفع اللي بيتكلم واللي بيستقبل". كل هذه الكلمات  تحمل رسائل سلبية، وتلصق صفات سلبية بأفراد من الشعب المصرى، وتتناول تلك الصفات بالقياس الصارم للسلوكيات الصغيرة في كل انحرافات الأخلاقية في الوقت الذي تتجاهل جوهر المتغيرات الاجتماعية بمعناها العام والواسع، وما ترتب عليها من سوء التقسيم الاجتماعي، الذي حرم أفراد الشعب من ثروات بلادهم، وما تبع ذلك من حقهم في التعليم المناسب، والإعداد الجيد للحياة، والخدمات التي تليق بإنسانيتهم؛ فأصبحوا من وجهة نظر التسريبات مُعوقِين!

لم تقتصر التسريبات على تلك التصرفات، لكنها استلهمت الأسطورة؛ فتم إضفاء الأسطورة على شخصية السيسي؛ البطل الشعبي؛ مبعوث العناية الإلهية القادم للإنقاذـ وبدأت عملية رسم الصورة بالحديث عن رؤى المنام، "سيف مكتوب عليه بالدم لا لإله إلا الله"، و"ساعة أوميجا خضراء كبيرة"، و"رأيت الرئيس السادات.. وقال لى: أنا كنت رئيس جمهورية، وقلت له: وأنا هبقى رئيس جمهورية". ولم يكن إضفاء الأسطورة كما هو متعارف عليه في علوم الإعلام سوى إدخالها بطريق غير محسوس إلى الوعي الشعبي في محاولة لتبرير وتفسير الواقع، وإضفاء طابعا خلابا عليها يستهوى الجماهير، ويجتذب تأيدها.

وزادت حدود أسطورة البطل الشعبي لتدخل دائرة أوسع، هي دائرة البطل القومي الذي يهب لنجدة الجيران فجاءت كلماته: "مسافة السكة" و" فركة كعب".

كان السيسى يحرص على التكرار والتوكيد في كل كلمة، وأحيانا القسم بطريقة يشوبها الغموض، وكلها دلائل ذات مغزى في علوم الإعلام!

ولإكمال العنصر اليومى للسيطرة كان لابد من دعم الأسطورة التي تحظى بعناية فائقة؛ وهي أنه لا تدخل من القوى أو المجموعات أو الآراء الخاصة في دوائر صناعة القرارات الهامة في البلاد؛ فجاءت حدوتة "أسر قائد الأسطول الأمريكي".

ومع تركه لمنصبه العسكرى، حاول السيسي الاقتراب من الموطن العادى باستنساخ صورة ذهنية مألوفة في الإعلام الغربى، لكنها غير مألوفة لشعب مصر من خلال صورة له على دراجة في أحد الشوارع الخالية. ولم تحظ الصورة بقبول. فالدراجة ثمنها يمثل مرتب أحد كبار موظفى الدولة من الطبقة الوسطى لمدة ثلاث سنوات ونصف في حال افترضنا أن راتبه 1000 جنية في الشهر. وأين الشوارع التي تصلح لركوب الدراجات؟! بما أعطى إشارات إلى أن السيسى لم يعطى العيش لخبازه!

 

عبد الفتاح السيسي04.jpg" style="width: 400px; height: 300px;" />



وكان ثمة صورة أخرى في أحد البنوك للتبرع بنصف ثروته، ثم ثالثة مع الحاجة زينب التي تبرعت بقرطها من أجل مصر. وحكاية الحاجة زينب مستنسخة من حكاية خالتي أم محمد في العشرينيات من القرن الماضى عندما بدأ الاكتتاب من أجل إنشاء تمثال نهضة مصر؛ فنشرت إحدى المجلات أن خالتي أم محمد ادخرت بيضات من بيض دجاجة واحدة تملكها وباعتها بقرش صاغ، وتبرعت به من أجل التمثال الرمز، وراحت المجلة تشيد بالحس الوطني لامرأة فقيرة من أهل مصر!

 

عبد الفتاح السيسي01.jpg" style="width: 400px; height: 280px;" />

 

 

عبد الفتاح السيسي03.jpg" style="width: 400px; height: 288px;" />


وثمة صورة رابعة مع طفلة تبرعت بما في حصالتها لمصر، وهي أيضا مستنسخة من صورة للرئيس عبد الناصر في الستينيات من القرن الماضى مع طفل تبرع بمصروفه للمجهود الحربى قبل هزيمة يونيو 1967.

 

عبد الفتاح السيسي02.jpg" style="width: 400px; height: 252px;" />



كانت تلك الصور الذهنية محاولة لإيجاد المعادل الموضوعي للتسريبات؛ فكما أن البعض من وجهة نظر التسريبات أشرار ومُعوقِين؛ فإن البعض الآخر من وجهة نظر الصور طيبين ومتفانين ومشاركين بإخلاص رغم ضيق ذات اليد!

ولم تكن الصور الذهنية أفضل حالاً أو أحسن حظاً مما سبقها من تسريبات، أو أساطير.. فلم تلق قبولا!

إن عملية صناعة الصورة الذهنية هي عملية صناعة للوهم. إذا ما نجحت في إحداث حالة من "خدر الوعي" والتأثير التسكيني للوعي النقدي وتوليد حالة من "السلبية الفردية" التي تعوق الفعل، فهذا هو الهدف تسعى إليه بعض أجهزة الإعلام من أجل استمرار النظام.

ولكنها هذا الأمر ينطوي أيضا على "صناعة الخطر" إذا ما فشلت تلك الأجهزة في تغييب الجماهير عن بؤس واقعها؛ فيتحول "التضليل الإعلامي" إلى مادة لوقود الغضب، وبخاصة إذا لم يواكبه تحسن ملموس على كافة الأصعدة على الأرض؛ ينتشل الجماهير من معاناتها في الحصول على احتياجاتها المعيشية، ويجعل من خيوط السيطرة الاجتماعية والهيمنة السياسية دقيقة وغير مرئية، ويمتص طاقة رد الفعل الإنساني، ويباعد ما بين الجماهير وبين ظهورها بإرادة اجتماعية في مسار العملية التاريخية بعد أن تعلمت من تجاربها السابقة.

الشعب المصري مازال ينتظر "الأمارة"، في ظل حالة من التوجس ساد فيها الرأى الأوحد، وخرس فيها صوت النكتة السياسية، وشحبت صورة الكاريكاتير السياسي حتى تلاشت خطوطه، وكلها علامات تنذر بالخطر.


تابع بقية ملفات الدراسة:
مقدمة الملف: سرقة العقول.. وصناعة الوهم
محمد علي باشا.. رفض استكمال "الأمير" لأنه تفوق عليه
انقلاب يوليو والصورة الذهنية عن الرئيس محمد نجيب..
ناصر والمخابرات الأمريكية.. واللعب بصور الحكام
السادات.. الرحلة من الصورة الجذابة إلى الرئيس "خيشة"
مبارك.. صورة الرئيس "الأُشلاء"
العملية أجاكس.. مرسي.. رئيس هزمته الصورة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    اعلان