رئيس التحرير: عادل صبري 02:45 مساءً | الثلاثاء 24 نوفمبر 2020 م | 08 ربيع الثاني 1442 هـ | الـقـاهـره °

توظيف الخلاف حول الديمقراطية في مصر

توظيف الخلاف حول الديمقراطية في مصر

ملفات

توظيف انتقادات الديمقراطية في مصر

توظيف الخلاف حول الديمقراطية في مصر

الديمقراطية أكبر من صندوق الانتخابات.. لكنه مدخلها الوحيد

خالد فياض 17 نوفمبر 2013 17:57

منذ أحداث 30 يونيو / حزيران 2013 ومصر تعيش في مناظرات ومناقشات صاخبة حول توصيف ما حدث بعدها في الثالث من يوليو؛ وهل هو انقلاب عسكري أم ثورة شعبية استجاب لها الجيش وخطط ودبَّر لها أعوانه من قوى المجتمع؛ التقليدية منها والحديثة، إلا أن هذا المعسكر الأخير، وهو من يعتبر ما حدث في 3  يوليو ثورة شعبية؛ يثور أيضًا جدل فيما بينهم حول مفهوم الديمقراطية، وهل نظام ما قبل 3 يوليو 2013 كان نظامًا ديمقراطيًا وفشل أم أنه لم يأخذ من الديمقراطية إلا قشورها فقط والمتمثلة في حكم الصندوق بما له وما عليه، وانقلب على كل قيم الديمقراطية الأخرى والمتمثلة في حرية الرأي والتعبير واستقلالية المؤسسات والتغاضي عن حقوق الأقليات. وكانت المحصلة النهائية التي وصلت لرجل الشارع العادي لهذا السِّجال ما عبر عنه وزير الدفاع المصري إن "إدارة الرئيس السابق محمد مرسي اتخذت الديمقراطية سلمًا للسلطة؛ ولما صعدت أخذت السلم معها".

 

الخلاف حول الديمقراطية قبل توظيفه بين هذا الفريق وذاك كانت الديمقراطية بما لها وما عليها محورًا لمناقشات ساخنة، وهي قيمة سياسية لديها قدرة نادرة بين غيرها من المفاهيم الاجتماعية- السياسية على التطور والتغير، فهي ليست عقيدة جامدة ولا هي حقيقة مطلقة تعالج خارج إطار الزمان والمكان، بل هي قيمة مرنة ونسبية تعبر عن نزوع الإنسان نحو الحرية وتطلعه إلى المساواة. وقد أخذت الديمقراطية صورًا وتطبيقات عديدة عبر تطور المجتمعات وتنوع ثقافاتها، وهو ما أدى إلى انقسام المفكرين في إدراكهم لهذا المفهوم إلى مدرستين، وهما: المدرسة الإجرائية وهي المدرسة التي تهتم بشكل الممارسة الديمقراطية وإجراءاتها أكثر من غيرها من أبعاد مفهوم الديمقراطية، وهناك المدرسة الموضوعية التي تهتم بالشكل؛ لكنها تولي الجوهر القيمي للديمقراطية أهمية كبيرة.


 ففي المدرسة الأولى وهى ما تعرف بمدرسة الديمقراطية الإجرائية ترتبط الديمقراطية– وجودًا وعدمًا– بعدد من الترتيبات والإجراءات التي تشمل حق التصويت للجميع، وانتخابات دورية نزيهة، ووجود مجتمع مدني قوي، والفصل بين السلطات، وحرية تداول المعلومات، واحترام الحقوق المدنية الأساسية. ويرى أنصار هذا الرأي أن جوهر عملية الانتقال الديمقراطي هو إقامة هذه المؤسسات وحمايتها والعمل على استمرارها. ووفقًا لهم، فإن الديمقراطية هي مجموعة من الترتيبات والإجراءات لانتخاب أشخاص يمارسون السلطة بحكم اختيارهم من الشعب في انتخابات تنافسية حرة.


 أما المدرسة الثانية، وهي المدرسة الموضوعية، فإنها تنطلق من الاعتراف بأنَّ إقامة تلك المؤسسات هو شرط ضروري، ولكنه غير كافٍ لتحقيق الديمقراطية، وأنه من الضروري أن نضع في الاعتبار الثقافة الديمقراطية للمجتمع، ودور السلطة في تعزيز هذه الثقافة بما تتيحه من حرية رأي وتعبير، وتشجيعها لحالة من الحوار الدائم والإيجابي بين كافة أعضاء المجتمع؛ لأنه إذا كان هدف الديمقراطية هو صون حرية الإنسان وحقوقه وكرامته، وتحقيق المساواة في فرص الحياة بين الجميع، فإنها لا يمكن أن تتحقق بإقامة المؤسسات والإجراءات وحسب، ولكن بالتأكد من الشق الكيفي أي ماذا أدت إليه الانتخابات؟ ومن الذي أوصلته للحكم؟ وماذا حقق بالنسبة لتجذير حالة الديمقراطية داخل المجتمع؟ فإجراءات الديمقراطية وترتيباتها ليست ضمانة لاحترام الحقوق المدنية والسياسية، أو لتمثيل المصالح الشعبية، فقد تكون تلك الترتيبات والإجراءات واجهة لنشأة نظم تسلطية، ولا يقصد أصحاب هذا الرأي التهوين من قدر أو قيمة المفهوم الإجرائي للديمقراطية، فبدونه لا يوجد الأساس القانوني للنظام الديمقراطي.

 

ولكن المقصود أنه لا يمكن قصر مفهوم الديمقراطية عليه؛ لأنه إذا كان أحد أهم المآخذ على النظم التسلطية هو الظلم الاجتماعي، وعدم احترام الحقوق المدنية والسياسية للمواطنين، فإنه يكون من الضروري محاسبة النظام الديمقراطي الجديد وفقاً لالتزامه بتحقيق هذه الأهداف. ولعل في التطور التاريخي للدول العديد من النماذج التي تثبت أنه يمكن أن توجد الممارسات والترتيبات الديمقراطية بشكلها الظاهر من دون الجوهر.

فالانتخابات قد تؤدي إلى توفير الغطاء للنظم الاستبدادية لتصدر قوانين وقرارات تعتدي على الحريات العامة وتُحِدّ من حرية المؤسسات الشرعية في ممارسة دورها، وهو ما قد يمتد أيضًا إلى قيام الحكومات المنتخبة بإصدار تشريعات تقّيد من حرية الرأى والتعبير، وتعوق نشاط مؤسسات المجتمع المدني، وغير ذلك من الممارسات التي تُهدر القيم الديمقراطية. فالقوانين الصادرة عن الهيئات المنتخبة قد تكون ملتزمة بالقواعد التي وضعها الدستور للتشريع من حيث الشكل، ولكنها تكون مخالفة لدورها الأساسي في تعزيز ثقافة ديمقراطية مدنية من حيث الموضوع والجوهر.
توظيفات الخلاف حول الديمقراطية في مصر


إنَّ المقولة التي أشرنا إليها عاليه كما وردت في تصريح شهير للسيد وزير الدفاع المصري، والحاكم الفعلي لمصر، هذه المقولة هي ما آل إليه الخلاف حول معنى الديمقراطية. بدهي أن الديمقراطية هي ظاهر وجوهر، وليست مجرد شكل للحكم، وهي تعني ما هو أوسع من مجرد ورقة تلقى في صندوق الانتخاب أو مقعد تحت قبة البرلمان، حيث إنها تشمل مبادئ تتمثل في الحرية والمساواة التي تكفلها الدساتير الديمقراطية وحرية الرأي والعقيدة وحرية الاختيار وغيرها من الحريات العامة التي تكفلها الدساتير الديمقراطية وتنظمها القوانين في السعي لإقامة ثقافة ديمقراطية مدنية، وبالتالي فإنَّه لا ينبغي أبدًا الاكتفاء بالتركيز على الجانب الإجرائي - الشكلي من الديمقراطية المتعلق بالحريات، وتنظيم الانتخابات، والفصل بين السلطات، وإنما ينبغي إضافة الجانب الموضوعي المرتبط بمحتوى السياسات العامة، فإقامة النظم الديمقراطية لا تكتمل بدون الانتقال من «الإجراءات» إلى «الموضوع»، ومن الشكل إلى الجوهر.


غير أن ما سبق لا ينبغي له أن يجر مساحة من النخبة السياسية المدنية المصرية لإلغاء التجربة بالكامل لمجرد خلاف حول وجهات نظر. فما تشهده مصر خلال هذه الفترة يتجاوز الخلاف على الديمقراطية باتجاه قتلها في مهدها لمجرد أن القائمين عليها اختلفوا على تعريف كلمة الديمقراطية.


الظن الأهم من وجهة نظري أن إدارة الرئيس مرسي لم تُتَح لها الفرصة الكافية للتعامل مع الشق الموضوعي للديمقراطية، لكن لا يمكن اتهامها بأنها قد نظرت إلى الديمقراطية فقط في شقها الإجرائي دون الموضوعي. وهو الأمر الذي أوجد مناخًا ساعد على بعث الدور التقليلدي الشمولي للمؤسسة العسكرية في مصادرتها للتجربة الديمقراطية بشكل كامل، وهو ما قد يؤدي إلى تحويل الخلاف على مفهوم الديمقراطية إلى إهمالها بشكل كامل، وإتاحة الفرصة للقوى غير المدنية للتدخل والتخطيط للعودة إلى الدائرة المركزية لصناعة القرار. إن خبرة الديمقراطية الوليدة في مصر تحتاج إلى فترة حتى تنضج؛ فالديمقراطية لا تعني صندوق الانتخابات فقط ، ولكني تعني بالإضافة إليه حدوث توافق بين أبناء المجتمع على الثقافة المدنية الديمقراطية، ولكن ذلك يكون من خلال وجود نقطة بداية محددة لهذا التحول من مجتمع شمولي إلى مجتمع ديمقراطي، هذه النقطة توافقت العديد من المدارس الفكرية الغربية والعربية على كونها صندوق الانتخابات.

خالد فياض: باحث في مجال التنمية السياسية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    اعلان