رئيس التحرير: عادل صبري 01:15 مساءً | الثلاثاء 04 أغسطس 2020 م | 14 ذو الحجة 1441 هـ | الـقـاهـره °

الفتوى والسياسة.. من يوظف من؟!

الفتوى والسياسة.. من يوظف من؟!

ملفات

على جمعة - أحمد الطيب- القرضاوى- ياسر برهامي

العمائم في ميدان الاشتباك..

الفتوى والسياسة.. من يوظف من؟!

إسلام عبد العزيز: مصر العربية 16 نوفمبر 2013 10:02

الفتوى والسياسة.. جدلية لا تنتهي، يقول البعض إنَّ الأخيرة تستخدمها، وآخرون يؤكدون أن الفتوى هي التي تمتطي السياسة لتنزل مضامينها على أرض الواقع وتصير هي المرجع في كل ما يريد لها أصحابها.. يحركون المجتمع كما يشاءون وينتظر الناس ما يقولونه ليؤسسوا عليه مواقفهم.

المهم أن العلاقة بينهما علاقة وثيقة، وأن كل الفرقاء السياسيين يهرعون إلى الاشتباك عن طريقها "الفتوى"، البعض يحلل والآخر يحرم، فريق يبيح القتل بفتوى، وفريق يحرم المثول أمام القضاء بفتوى.. وبسبب هذا الاشتباك دارت معارك، وتعالت أصوات تنتقد، وأخرى ترحب، والفتوى التي تعالج الشأن السياسي في كل الأحوال هي بطل المشهد.


البداية تاريخية بامتياز، لكن الأكثر سخونة كان مع بدايات الربيع العربي، وفي مصر على وجه التحديد حيث الأزهر وعمائمه..


المظاهرات.. حرام.. ثم.. جائزة!


فحينما خرجت المظاهرات تطالب بإسقاط مبارك جاءت فتوى شيخ الأزهر أحمد الطيب بتحريم استمرار التظاهر قائلاً: "إن الرئيس مبارك فوَّض سلطاته لنائبه ويحرم وجود الشباب في المظاهرات؛ لأنها تعد خروجًا على النظام".


والغريب في موقف الإمام الأكبر أنَّه ناقض هذه الفتوى مناقضة تامة قبل عزل الرئيس محمد مرسي؛ حيث أصدر فتوى بأن "المعارضة السلمية لولي الأمر الشرعي جائزةٌ ومُباحة شرعًا، ولا علاقَةَ لها بالإيمان والكُفر، وأن العنف والخروج المسلح على الحاكم معصية كبيرة لكنه ليس كفرًا".
إذن تصير المظاهرات حرامًا وخروجًا على الحاكم بفتوى من الإمام الأكبر، ثم تصير ذات المظاهرات "جائزة ومباحة شرعًا" أيضًا بفتوى.. ولا عزاء لأصول الفقه ولا لعلوم الشريعة التي قضى الأزهر ما يزيد على ألف سنة يرسخ مفاهيمها.!


وعلى نفس الدرب سار علماء آخرون، ومفتون معتبرون، جعلوا من فتاواهم حائط صد أمام محاولات "خلع" مبارك، فهذا مفتي مصر "علي جمعة" وعلى منواله الشيخ "خالد الجندي" يفتيان بـ"تحريم الخروج علي الحاكم مادام لم يمنع الصلاة حتي لا تنتشر الفوضى".. نعم ففي مفهوم تلك الفتوى أنَّ خلو منصب الحاكم هو عين الفوضَى!!


العجيب أن فتاوى تحريم المظاهرات في هذا التوقيت دخل فيها رموز من التيار السلفي الذي كان البعض يعتقد أنه خارج إطار السلطة، ومنهم الشيخ حسن عبد الوهاب البنا، والشيخ عادل السيد، والشيخ مصطفى العدوي.


وتأتي الفتاوى قبيل "الانقلاب" وبعده محاولة التاكيد على قدرتها في التعبئة؛ حيث أفتى الشيخ هاشم إسلام عضو لجنة الفتوى بالأزهر بإهدار دماء المتظاهرين في الـ "ثلاثين من يونيو" ومؤكدًا أنهم خرجوا على النظام العام.


وفي الإطار ذاته وبعيد "الانقلاب" يفتي أيضًا الشيخ يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بـ "وجوب الخروج على النظام الحالي في مصر بعد عزل الرئيس مرسي" قائلاً: "إن الخروج من صميم الجهاد في سبيل الله، وأن القتلى في هذه الاحتجاجات شهداء عند الله، والخروج على هذا النظام واجب شرعًا على كل قادر".


وفي مقابلها تخرج الفتوى الشهيرة المعنونة بـ"اضرب في المليان" من مفتي مصر السابق "علي جمعة" حيث أحلَّ دماء أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي واصفًا إياهم بالخوارج الواجب قتالهم، "الأنتان" الذين يجب التخلص من روائحهم الـ"وحشة"!


وهكذا تسيل الدماء بالفتوى، وتُقَيَّد الحريات بالفتوى، ويصير المخالف في الرأي "خارجيًا" أيضًا بالفتوى!!


انتخب بفتوى!


ثم تنتقل الفتوى لميدان آخر، هو ميدان تصارع سياسي حزبي بامتياز، تخرج فيه لتؤازر فريقًا على حساب آخر، فها هو "ياسر برهامي" نائب رئيس الدعوة السلفية، وأحد مرجعيات حزب النور، يفتي بعدم جواز التصويت لصالح التحالف الديمقراطي من أجل مصر، والذي تزعمه حزب الحرية والعدالة في الانتخابات البرلمانية السابقة، مؤكدًا أن التحالف الديمقراطي لم يأتِ لنصرة الدين والشريعة وإحقاق الحق ونصرة المظلوم.


وفي الوقت الذي رأى فيه "برهامي" أن التحالف الديمقراطي الذي يقف فيه حزب إسلامي هو الحرية والعدالة لم يأت لنصرة الشريعة فإنه رأى ما حدث في الثالث من يوليو ارتكابًا لأخف الضررين، ولذلك يطالب جماعة الإخوان بأن "تكف عن البغي والظلم والعدوان" وكأن كل هذه الدماء التي سفكت في ميادين مصر هي من أخف الأضرار التي تحدث عنها في أحاديثه التي يعتبرها أتباعه فتاوى صادرة من مرجعيتهم!


على أية حال جاءت الفتاوى السلفية في انتخابات مجلسي الشعب والشورى التي أجريت بعد الثورة تقضي بعدم جواز إعطاء أصوات انتخابية لفلول الوطني.


وفي المقابل يفتي الشيخ علاء الدين أبوالعزائم شيخ الطريقة العزمية أن التصويت للسلفيين في أي انتخابات قادمة بأنه «هدم لمصر»، واعتبر أن كل صوت يدلي به مواطن لصالح سلفي فهو يعدّ بمثابة هدم طوبة في بناء مصر.


وهناك صوت آخر اشتهر بمثل هذه الفتاوى وهو الشيخ محمود عامر من جماعة أنصار السنة بمحافظة البحيرة أصدر فتوى حرم فيها التصويت في الانتخابات البرلمانية بشكل عام، معتبرًا أن من يُصوّت لصالح أحد المرشحين آثم وخائن للأمانة.


وأمام هذه الفتوى التي تحرم التصويت لأي مرشح تأتي فتوى أخرى للدكتور عبد الرحمن البر عميد كلية اصول الدين بالمنصورة - جامعة الأزهر والقيادي بجماعة الإخوان تقضي بـ"أن من لا يذهب للتصويت في الانتخابات كمن تولي يوم الزحف.."


ولمواجهة الـ "فلول" تخرج فتوى من رحم الأزهر بطلها هو  الشيخ عمر سطوحي - أمين عام لجنة الدعوة الإسلامية بالأزهر- تحرم التصويت في الانتخابات لصالح فلول الحزب الوطني قائلاً: «لا يجوز لأي مصري غيور علي دينه ووطنه ويحب مصر أن يصوِّت لأمثال هؤلاء - فلول النظام السابق - خاصة لمن أثبتت التحقيقات والقضاء أنهم أفسدوا الحياة السياسية، وأظهروا مصر أمام العالم بصورة سيئة، لأنهم لن ينسوا ما حدث لهم ويُكنون في نفوسهم حب الانتقام والانتصار للنفس، مما بدر من الشعب ضدهم وكل من يصوت لصالحهم يعدّ خائنًا لوطنه، حتي إن أظهروا الحب لمصر، فهذا خداع وغش ومكر بهدف الوصول إلى أهدافهم التي يخططون لها، وعلى الشعب أن ينتبه..".


لقد صارت الانتخابات إذن فعلاً فقهيًا، يقتضي الذهاب إلى فقيه، ولكل تيار فقيهه، ولكل حزب شيخه، فتصير الفتاوى متنوعة متعددة تعدد التيارات والأحزاب في مصر.. وكله بالفقه!!!!!

 

الفقه الرجعي والفقه الثوري


العجيب أن كل فريق حاول التذرع بما يمكنه استدعاؤه داخل التراث الفقهي؛ فالبعض حينما يفتي بحرمة التظاهر يعزف على مصطلح "الخروج على الحاكم" والذي يلقي بظلال تاريخية تستدعي فتنة الخوارج وما حدث منهم، وبالتالي تتركز في الوعي العام كراهية الفعل لما سيئول إليه، تأسيًا بهذه الأحداث التاريخية.


وهكذا فعلت جمعية علماء اليمن الموالية لنظام صالح حينما أصدرت بيانًا يُحرّم الخروج على الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، وجاء في البيان: "إن الخروج على الحكام مُحرّم شرعًا سواء أكان بالقول أم بالفعل، بنص القرآن والسُّنة والإجماع.."


هكذا دون تفريق، هكذا دون محاولة لوضع الضبط الفقهي عنوانًا للعمل الإفتائي، هو استدعاء تاريخي بامتياز في محاولة لشحن العقل الجمعي بما يجعله كارهًا لمثل تلك الأحداث غير قادر على التعاطف معها.


وهذا ما جعل الشيخ القرضاوي يستنكر هذا البيان قائلًا: "إن الفقه الرجعي الذي يسير في رِكاب الحكام، وإن ظَلموا وجاروا، ينبغي أن يختفي أمام الفقه الثوري الذي يعمل على تقوية الشعوب، ويُنقّي الحكم من مطامعه ومساوئه.."


وفي ظل هذا التدافع يكون موقف الأنظمة والحكام والسياسيين في المعارضة مستفيدًا في كل أحواله، معليًا شان تلك الفتاوى التي تساند موقفه، وتعضد حضوره على الساحة السياسية، يخرجها وقتما يريد ويخفيها حينما يراها غير ذات جدوى.


وهذا ما حدث مع النظام الليبي على سبيل المثال حينما أفتى القرضاوي فتواه الشهيرة بجواز قتل القذافي.. قائلاً: "من أراد أن يتقرب إلى الله بقتله فليفعل ودمه في رقبتي"، فكان رد النظام الليبي سريعًا حينما استعان بعض قنواته الإعلامية أثناء الاحتجاجات عليه بعرض فتاوى مسجلة لمشايخ من السلفية، كصالح الفوزان، وربيع المدخلي، وعبدالمحسن العباد، جاء فيها تحريم الخروج في المظاهرات، وتحريم مشاهدة قناة الجزيرة، وكل قناة تُحرّض على الفتنة، ووجوب طاعة ولي الأمر وتحريم الخروج عليه.


ما الحل إذن؟


هذا هو السؤال الذي يثور الآن.. هل يكون المنع هو الحل، ومن يملك المنع في عالم تعددت فيه وسائل الاتصال؟ وإن لم يكن المنع، فما حدود التداخل بين الفتوى كآلية فقهية يتمكن الفقيه بها من ضبط الحكم الفقهي تنزيلاً على وقائع متغيرة، وبين السياسة باعتبارها مكونًا أساسيًا من مكونات الحياة.. شخصية او عامة..؟


أولاً لا أعتقد أن المسألة تتعلق بمنع أو إباحة بقانون أو "فتوى" وإلا فإن العبث هو العنوان الأبرز ساعتها، فكيف تريد القضاء على هذا التداخل بحكم أو فتوى؟ أنت هنا تحاول منع ما تعتبره خطأ بذات الآلية الخطأ!


الحل إذن يكمن فيما أسماه البعض ثقافة المستفتي أولاً، ثم استشعار الرهبة من المفتي والفقيه في ولوج المجال العام من خلال الفتوى الفردية، ثم التربية المجتمعية التي تستطيع بداية لفظ مثل تلك التصرفات غير السوية التي تقحم الفقه في غير ميدانه.. في بعض الأحوال وليس كلها للأمانة.


هذه العناصر الثلاثة يمكن مع العمل عليها تحقيق نتائج تزيد من قوة المجتمع في التعامل مع مثل تلك الأمور، وتبني داخل المستفتي ثقافة تجعله قادرًا على تمييز مناطق سؤاله وجلوسه بين يدي الفقيه، وتجعل الفقيه بالتبعية عالمًا بحدوده الفردية مهما بلغ علمه وعلا نجمه في دنيا الفقه، فإنه يدرك أن المجال العام لا يمكن التعامل معه بصيغة "افعل ولا تفعل" وإنما يحتاج لجهد أكبر وتعامل أرقى من خلال التثقيف والتربية وإحلال ما أسماه الإمام أبو حنيفة بـ "الفقه الأكبر" محل فقه "افعل ولا تفعل".


الحل إذن ليس وصفة سحرية، أو قرارًا رئاسيًا، أو قانونًا يفرض على الجميع عدم الافتاء.. مطلقًا فكل تلك الحلول تصب في ثقافة الاستهلاك التي تمثل الفتوى في مجتمعاتنا أحد تجلياتها، يجلس الفرد بين يدي الفقيه أو المفتي ليجنب نفسه عناء التفكير أو التثقيف أو فهم طبيعة الأمور، فيخرج منه بفتوى.. تمامًا كما يذهب لمطعم يتناول فيه طعامه لأنه لا يجد وقتًا لطهو طعامه داخل منزله!


الحل يجب أن يكون إذن جهدًا مجتمعيًا يقف الفقه على رأسه بحسبانه من أكثر المكونات الحضارية إسهامًا في بلورة الشخصية المسلمة والعربية.. والمصرية منها على وجه الخصوص، هذا الجهد يخرج المجتمع من دائرة الاستهلاك إلى دائرة الإنتاج، إنتاج الخبز وإنتاج الأفكار.. سواء بسواء... يعطي المجتمع مناعة ضد محاولات "استعباطه" بالفقه أو بالسياسة أو بالإعلام أو بكل ما يحوله المستبدون إلى آلية تخدم وجودهم وتدعم سيطرتهم..
وبالله وحده تستدفع البلايا.
 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    اعلان