رئيس التحرير: عادل صبري 03:41 صباحاً | الاثنين 06 يوليو 2020 م | 15 ذو القعدة 1441 هـ | الـقـاهـره °

جرائم "منزوعة" الشرف

جرائم منزوعة الشرف

مقالات مختارة

ريهام حماد

جرائم "منزوعة" الشرف

بقلم: ريهام حماد 02 أبريل 2014 12:15

يحلو لي مؤخرا أن أتابع برامج قناة فضائية متخصصة في الطهي فقط لاغير؛ هربا من جحيم البرامج السياسية ورغبة في التعرف على شئ من ثقافات الشعوب الأخرى عبر التعرف على طقوس طهيهم ومناسبات احتفالهم وتأثير الشعوب المتبادل في الاحتفالات وما إلى ذلك.
 

من البرامج التي أجدها خفيفة الظل أحد البرامج التي يقوم فيها الطاهي بالتجول في أحد متاجر الأغذية الكبرى ويختار عشوائيا إحدى السيدات اللاتي يقمن بالتسوق، ويسألها عن المناسبة التي تقوم بالتبضع من أجلها، ولمن ستطهو الليلة، ثم يعرض عليها عرضا سخيا بأن يشتري لها مالذ وطاب من الطعام وأن يذهب معها إلى البيت ويقوم بالطهو لها ولمن كانت تخطط أن تطهو له، بينما تقوم هي بمراقبته ومساعدته قليلا ومعرفة أسرار طهي طبقها المفضل، ثم تذهب للاستعداد لمقابلة زوجها وهي في أبهى حلة.
 

يروق لي كثيرا تأمل ردود فعل المتسوقة والتي تتلقى هذا العرض الكريم بسعادة عفوية، ويروق لي تأمل رد فعل زوجها حين يعود إلى المنزل ليجد زوجته تطهو في مطبخ عش الزوجية بصحبة طاه شاب وسيم، وأن أرى اندهاشه حين يرى بعدها حوالي ثلاثون مصورا يصيحون في صخب "مفاجأة"، ثم تفسر له زوجته الموقف، فيهدأ روعه ويجلس على المائدة مستقبلا الأطباق اللذيذة، ومداعبا زوجته بأن هذا أفضل كثيرا مما تعده ويشكر بعدها الطاهي، الذي ينصرف متحمسا لمفاجأة سيدة أخرى سعيدة الحظ.
 

 سرحت في شكل هذا البرنامج إذا ما تم إصدار نسخة عربية منه وتخيلت رد فعل الزوج حين يعود إلى بيته ليجد زوجته في المطبخ بصحبة شاب يتبادلان أطراف الحديث ويطهوان معا.. وانقبض قلبي!! هل ستنجو الزوجة العربية بحياتها حينئذ؟ هل سيمهلها الزوج الدقيقة الكفيلة بشرح الموقف وبحفظ ماء وجهها أمام الطاه وأمام المصورين قبل أن يتهور في أي رد فعل غير محسوب قد يحرجها إلى الأبد .. أو يسكتها إلى الأبد؟!
 

تقتل النساء في شبه جزيرتنا العربية تحت إطار ما اصطلح إعلاميا على تسميته بـ "جرائم الشرف". مفهوم هذه الجرائم باختصار هو أن تقتل المرأة إذا وجدت في ظروف تثير الريبة حول حسن سلوكها، وأن تخفف العقوبة للقاتل، فتصل إلى الحبس ثلاثة أشهر فقط أحيانا، مراعاة لحالته النفسية التي دفعته لارتكاب جريمته. فقد كان "القاتل" يدافع عن "الشرف"!!
 

هل للمرأة الحق  في أن تقتل زوجها إذا ما فاجئته في وضع مخل أو ارتابت في سلوكه لسبب وجيه، أم أن الثورة النفسية العارمة حلّ للرجال فقط؟ لماذا توصف السيدات إذن بأنهن ناقصات عقل ودين؟ هل قتل المرأة لزوجها سيغسل عنها العار ويبقيها مرفوعة الرأس أم سيجلب لها نظرات الاستهجان؟ هل قتل أقرب الناس إليك مسوغا لتخفيف العقوبة أم العكس؟ هل "الرجل" بأكثر حرصا على المعايير الأخلاقية من المرأة، مما يستتبع معه تخويله قتل زوجته أو ابنته حين يرتاب في سلوكها؟ وكيف نتأكد من توفر هذا الشرط في حق كل رجل يرتكب هذه الجريمة؟ هل سيطلع القاضي على سيرة ذاتية أخلاقية للقاتل أم أن الخطأ سينصب على المرأة أوتوماتيكيا دون تفكير؟ هل يطبق من يرتكب هذه الجرائم معيارا أخلاقيا موضوعيا أو أكثر صرامة من ضحاياه؟
 

في العام الماضي وفي أحد الدول العربية قتل شاب أخته لحملها سفاحا منه!! فهل تعد هذه جريمة شرف ارتكبت دفاعا عن شرف العائلة؟ لماذا لم يقتل هذا الشاب نفسه بعد ذلك؟ لست أدري. يبدو أن ضميره استراح بعد ذلك وقرر أن يمضي في حياته قدما!
 

السيدة منال العاصي كانت احدى ضحايا جرائم الشرف في لبنان. قتلها زوجها لشكه في سلوكها بعد أن أوسعها ضربا على مرأى ومسمع من أمها وأختها اللتان لم تستطيعان إنقاذ القتيلة. قرر الزوج أن ينهي حياة زوجته بدلا من أن ينهي حياته الزوجية. انكشفت الجريمة فقط عندما وصلت جثة القتيلة إلى المستشفى نتيجة لارتياب الأطباء في وجود شبهة جنائية كسبب للوفاة؛ لما رأوه من آثار ضرب وحشي. اختارت الأم والأخت السكوت حتى لا تثار الشبهات حول سلوك فقيدتهما، رغم وقوع الجريمة أمامهما وتيقنهما من هوية الجاني، وربما عاش الزوج القاتل فخورا برجولته التي أبت عليه العيش "مضحوكا عليه".
 

لقد تم إقرار بعض التعديلات التشريعية التي تستهدف إلغاء تخفيف عقوبة "جرائم الشرف"، ولكن ثمة مشكلتان أساسيتان باقيتان. الأولى هي وجود ثغرات قانونية تتيح تخفيف العقوبة إذا وقعت جريمة القتل نتيجة الغضب الذي لا يمكن التحكم فيه، حيث يلجأ بعض المحامون والقضاة لاستغلال هذه الثغرات إذا واجهوا "جرائم شرف".! والثانية هي إقرار المجتمعات الشرقية الضمني لحق الرجل في "غسل عاره بيده".
 

أرجوكم .. واجهوا بشجاعة الجرائم "منزوعة" الشرف !!

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    اعلان