رئيس التحرير: عادل صبري 02:11 صباحاً | الأحد 05 يوليو 2020 م | 14 ذو القعدة 1441 هـ | الـقـاهـره °

هل تنحسر الشمس عن أفق الرؤية في مصر؟

الصخرة والزاوية

هل تنحسر الشمس عن أفق الرؤية في مصر؟

بقلم: محمد ثابت 30 مارس 2014 09:45

يوم 11 من فيراير 2011م تحركت الصخرة العملاقة التي تسد الطريق على المغارة المانعة لزرقة السماء أن تلمس أفق مصر، أما المتعجلون من أهل البلد فقد رأوا الاهتزاز شديداً بما يكفي لأن تتشقق الصخرة بعد حين، وتملأ أشعة الشمس السحرية آفاق حياتهم، وقدروا أن الأمر لن يستغرق إلا وقتاً قليلاً، وغابت عنهم حقائق الأمور الخاصة ببلد عانى مئات القرون من الظلم الشديد، وما بناء الأهرام، وما حفر قناة السويس ببعيد، بين عصور موغلة في القدم وأخرى حديثة وقريبة.      
                                                                                  

 لدينا بلد اسمه، لغوياً، باسم أي بلد، أما طبائع الأمور لديه فنادرة المثال.. فضلاً عن أن التجربة العملية فيه مذهلة، الملايين تجري في دمائهم عروق الاستكانة والقدرة على تحمل الظلم، ولما يفيض بالنخبة الحقيقية منهم وبخاصة الأجيال الجديدة غير الملوثة بتبعات الحياة لدى أحفاد الفراعنة، لما يفيض الكيل بهم، لما يخرجون إلى الميادين ما تلبث ذاكرة السمك ان تصيبهم، ويظنون أن أدوات قمع آبائهم واجدادهم هي مَنْ ستنحاز إليهم لنصرتهم، وتثملهم أكاذيب أكابر القيادات من المؤسسات العسكرية المفرخة لإعلاميين وطهاة لصُناع التحولات لا حصر لهم، فينساقون وراء نجاح ثورة لم تبدأ بعد.. تاركين الميادين، رافعين شعارات وأعلام للأسف أكتفوا منها بالالوان والأشكال والأصوات متناسين أن هذه ما هي إلا مظاهر تحاكي عنواين محلات البقالة والفواكه التي تمت تسميتها باسم 25 من يناير من قبل أشخاص كانوا حتى 10 من فبراير، قبل نجاح الثورة (المزعوم) بيوم واحد من ألد أعدائها..          

 أما الطرف الآخر من الزاوية فقد رأوا مآل الصخرة على نحو مختلف، بل فريد، إن اهتزازها مع تعجل النخب الصادقة الفرحة دون مراعاة سياقاتها الخاصة لأمر يحسن بها استثماره، عبر أداء التحية (العسكرية) لأرواح الشهداء، وإعلان تضحية متوهمة برأس النظام، وإعلان خارطة طريق تصلح لأصحاب الذاكرة السمكية البالغة المحدودية بقوة، ثم ليس هناك ما يمنع من إعلان خارطة أخرى، فما الخارطتان إلا مجرد (إعلانات) تتقيد بالشكل ولا دخل لها بالمضمون، وما يتم الاستقرار عليها إلا مرحلياً؛ ريثما تستطيع الملايين المناوئة للثورة من مستعذبي حكم الفرعنة والفراعنة القيام من جديد دافعين للصخرة حتى تعود إلى مكانها، عبر الانشغال بما لا عدد له من التوافه حتى يتم الإعلان عن ثورة جديدة في أقرب تاريخ، وفي المنتصف لا مانع من إعلان انتخابات برلمانية ورئاسية واستفتاء لخارطة طريق أولي، وابتلاع للثانية، فكل تلك الإجراءات البالغة الدقة في حياة الأمم (الحقيقية) لا معنى لها في وطن ُيدّر المليارات في سبيل استمرار المصالح الشخصية لمؤسسة وفساد أفراد كبار وصغار يتداعون حين استقرار الصخرة من كل حدب، فقط ليبقى الحال على ما (كان) عليه..     

 على أن تعجل الطرفين لسقوط الصخرة أو استقرارها، كل من زاويته لا يمنع أن كلا الأمرين لم يحدث على مدار ثلاث سنوات وبضعة أسابيع، لا من وجهتيّ النظر للطرفين، بل من اتساع الصورة وفقاً لكاميرا تصوير حقيقية محايدة، ومجاف للحقيقة تماماً من لا يرى الملايين، وإن قلّت بفعل القمع والقتل والاعتقال والتشريد وبينهم الإصابة، وهم يدفعون الصخرة بكل ما أوتوا من قوة، مضحين بوظائفهم وأبنائهم بل أرواحهم واستقرار بيوتهم في سبيل نجاح ثورة بدأت لديهم باهتزاز في الصخرة، ثم أمنيات حلوة لشهور، وتجذرت لما علموا مقدار الجرح الغائر في كرامتهم وأجسادهم، ومقدار الظلام الدامس الذي ينتظر حياتهم لو أن الصخرة عادت لتسد أفق السماء من جديد، إنهم يرون اهتزازها بسيطاً في كثير الأحيان لكنه لا يمنع أطيافاً من نور وضياء يخشون لو انمحيا من هجوم الظلام بشياطينه من جديد على أفق حياتهم ومستقبل أبنائهم، وفي مقدمة هؤلاء، وليس منصفاً من لم يقلها، الإخوان المسلمين، أولئك الذين أخطأوا بوضوح في اتخاذ مسار اصلاحي لم ُينجح ثورة، ولم يدحرج صخرة، بل لم يحركها من مكانها من الأساس، واصروا عليه، وتعجلوا للاسف الوصول إلى الحكم عبر آليات بالغة الوضوح إنها غير مناسبة.                               
                                                   

على أن عمق الخطأ، لا الخطايا، استبد بنفوس تثور على الصخرة الآسنة العفنة تحاول الاستقرار، بل على زاوية الرؤية التي يرون الصخرة منها، إنني لا أكون مبالغاً إذا ما قلتُ إن جماعة الإخوان تولد اليوم من جديد، في محنة هي الأشد في تاريخها، بل لعلها من أشد المحن في تاريخ الإسلام بعد وفاة الرسول العظيم، وإن عمق الخطأ المفجر للموقف كله ليزيد من صمود الجموع والجماعة في الشارع، ومن اللعنات على تيارات وأحزاب تسترت بالثورة المدعاة لتحقيق مغانم لنفسها بسيطة ملعونة..               

 ويبقى أن من يدعون استقراراً للصخرة يعالجون الأمر من زواياهم وبكاميرات سينمائية تحالفت مع الفساد بمخلتف أنواعه، وفيما يعانون سم زيف التجربة يكابرون ليبقوا وسط تهليل عالمي منقطع النظير جر أمماً أخرى لحظيرة الظلم، لعل في جرها محواً لمقبل الأمل في سقوط الصخرة في مصر، وإعادة لأي سيناريو يعيدهم أسياداً لعبيد قبلوا الظلم على مدار أزمان طويلة، اللهم إلا النذر اليسير من عدل الإسلام وبصيرة أهله..    
                                     

 ليست زاويتا الرؤية إلى الصخرة هما اللتان على المحك اليوم لأهل مصر الحقيقيين .. بل إن معاودة رؤيتهم لأفق السماء الصافية هي التي على المحك، ويخطأ من يربط بين هذه الرؤية وعودة الرئيس مرسي أو نظامه، مع احترامي لكونه منتخباً، فإنما جاء الانتخاب في ظل منظومة لإسقاط الرئيس المُنتخب، أيَّاً ما كان، بل إن التحدي الأبرز هو في العودة إلى المسار الديمقراطي الحقيقي برغبة بالغة الإيغال في تضافر المظهر مع الجوهر، بعيداً عن حكم مَنْ يريدون سد منفذ الأفق الوحيد في الصباح والليل عن مصر لتغرق في ظلمة القبر من جديد..    

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    اعلان