رئيس التحرير: عادل صبري 10:16 مساءً | الاثنين 03 أغسطس 2020 م | 13 ذو الحجة 1441 هـ | الـقـاهـره °

النساء لسن خطًا أحمر !

النساء لسن خطًا أحمر !

مقالات مختارة

الكاتبة الجزائرية أسماء بن قادة

النساء لسن خطًا أحمر !

بقلم: أسماء بن قادة 21 نوفمبر 2013 11:53

لا تزال الشعارات التي ترفعها كثير من الحركات والأحزاب الإسلامية، تعكس في حمولتها ومضمونها تشوهات البنية الفكرية والنموذج المعرفي التبسيطي، الذي تتحدّد من خلاله الرؤية والتصور الذي يصنع الموقف تجاه حدث أو واقعة ما،

حيث تجلي تلك الشعارات التي تختارها الحركة أو الجماعة السياسية بوضوح، الإشكاليات التي يعاني منها خطابها، ومنهجية الفكر الذي تقوم عليه في مرحلة تاريخية معينة، فشعار مثل “الإسلام هو الحل” أو “دولة مدنية مرجعيتها الشريعة الإسلامية” تحدد خلفية ذلك التعثر والإرباك في التفكير والتعبير، كما تعكس الانسداد والتأزم الذي يحول دون فتح الآفاق أمام استيعاب جديد يؤدي إلى إدراك حقيقي لمعطيات العصر، التي تعبّر عن آخر ما انتهى  إليه العلم والخبرة التاريخية الإنسانية في كل ما له علاقة بالكيان الإنساني كذات وموضوع وكل منظومة الحقوق ذات العلاقة بذلك الكيان.

أما من الناحية الأخلاقية، ولأن تلك الشعارات غالبًا ما توظّف الدين في السياسة بشكل مكشوف، لا سيما عندما يتعلق الأمر بمحاولة استثارة المشاعر تجاه قضايا لا تزال تحمل الكثير من الحساسية لدى بعض الفئات في المجتمع، مثل اعتقال النساء، مما يؤثر بشكل واضح على مصداقية الشعار، ويضعف من تأثيره من ناحية ويؤثر على البعد الرسالي والأخلاقي للإسلام من ناحية ثانية.

في هذا السياق، استوقفتني عبارة "نساء مصر خط أحمر" وهو الشعار الذي اختاره الإخوان ليرفعوه في مظاهراتهم، إثر اعتقال مجموعة من النساء بتهم التجمهر وقطع الطريق والاعتداء على الممتلكات أثناء المظاهرات. الأمر الذي دعاني إلى التساؤل عن خلفية هذا الشعار، إذا كان الإخوان يعتبرون أن النساء شركاء لهم في نضالهم من أجل قضيتهم، ومن ثمّ من المفترض أن يكن شريكات لهم أيضًا في مآلات ذلك النضال.

ولكن قراءة علمية متأنية وعميقة للشعار في مضمونه، وعلى العكس من ذلك تمامًا، تؤكد بأن النساء فعلاً خط أحمر في عقول من صاغ الشعار وأنتجه، فالمرأة فعلاً خط أحمر عند الترشيح في أي انتخابات،  والمرأة خط أحمر في المواقع التنفيذية، والمرأة خط أحمر في المشاركة في صنع القرار على مستوى مؤسسات الحركة أو الدولة، وكل ما جرى لدى غالبية الحركات الإسلامية في دول الحراك، لاسيما عندما يتأكد بأن أي مشاركة فعلية للمرأة في تلك الدول إنما كان بفعل الضغوط الدولية ونوع من توظيف الدين في السياسة، حيث يمكن القول بكل وضوح إن الحركات الإسلامية عجزت تمامًا عن تقديم النموذج الأمثل للمرأة المسلمة وحقوقها، بل ظل هذا الموضوع نقطة سوداء في تاريخ تلك الحركات من طالبان تدريجيًا، إلى أكثر الحركات ادعاء في دفاعها عن حقوق المرأة، الأمر الذي يتضح  من خلال غياب رؤية تأصيلية واجتهادية تجديدية حقيقية لدى حركات الإحياء والإصلاح فيما يخص حقوق المرأة، بل على العكس من ذلك تمامًا وبناءً على منظومة مفاهيم مغلوطة للفتنة والجسد والأنوثة والاختلاط، تم التعامل مع قضايا المرأة بشكل قاصر تمامًا، غابت من خلاله الرؤية الحقيقية للإسلام تجاه المرأة، بتغليب الفقه الذكوري الذي تعود جذوره قرونًا إلى الوراء.

لذلك كنت كلما شاهدت تلك الجموع في ميادين دول الحراك، تساءلت عن كيفية تعاملها مع أسرها في البيوت وعن كيفية تعامل مدير المؤسسة مع الموظفين، وكيف يتعامل المسلم مع المسيحي واليهودي..الخ.. وهل تقوم الحياة فعلاً على الشراكة والحوار والتشاور والديمقراطية، هل شعارات الحرية والكرامة تمتد من الأسرة إلى الدولة.

لقد كانت النساء فعلاً خطًا أحمر، ولكن بمفهوم آخر مختلف تمامًا؛ فالمرأة كانت وصية الرسول عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع، عندما أكد “استوصيكم بالنساء خيرًا”، وهي لم تكن وصية استعطاف نتاج ضعف أو نقص، إنما حملت الوصية بعدًا رساليًا، يعكس حرص الرسول على الحفاظ على مكتسبات الدين الجديد للبشرية، ومن ضمنها حقوق المرأة، فالإسلام بالفهم الصحيح لمقاصده يعتبر نقطة تحول كبرى في حياة المرأة.

لذلك يبدو الرّسول وكأنه يريد أن يقول إن تلك المكتسبات خط أحمر لا ينبغي التفريط فيها. ولكن حركة الإخوان المسلمين ومنذ حسن البنا ومثل غالبية الحركات الإسلامية، عجزت تمامًا عن إظهار وتجسيد الموقع الحقيقي للمرأة، وعلى العكس من ذلك ظهرت صور بائسة لاضطهاد المرأة، وكأنها عاجز ومعوق وقاصر، وهي وفق تلك الرؤية، في حاجة دائمة إلى من يتخذ القرار في مكانها، ومن يفتي لها، وإلى من يتولى أمرها، دون إشراكها على مستوى المؤسسات القانونية والقضائية والتشريعية وتلك الخاصة بالفتوى.

وفي ظل هذه المعطيات يمكن القول: إن الشعارات، في غياب رؤية نابعة من عملية اجتهاد حقيقية على خلفية ثورة علمية معرفية تعيد قراءة النصوص قراءة مقاصدية جديدة لا يمكن أن تتضمن أكثر من مغالطة لا تتعدى حدود التوظيف السياسي؛ لأن الحقيقة في الواقع وفي الدين تجعل من الذات الإنسانية ككل في حقوقها خطا أحمر بعيدا عن الجنس.

نقلاً عن صحيفة الخبر الجزائرية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    اعلان