رئيس التحرير: عادل صبري 11:17 مساءً | السبت 08 أغسطس 2020 م | 18 ذو الحجة 1441 هـ | الـقـاهـره °

عندما يتغلب الترقّب على الاستنتاج!

عندما يتغلب الترقّب على الاستنتاج!

مقالات مختارة

الكاتب حازم صاغية

عندما يتغلب الترقّب على الاستنتاج!

18 نوفمبر 2013 20:10

يتسرّع بعض المراقبين والمحلّلين في بلوغ الخلاصات وتبليغ النتائج. فالحوار الأمريكيّ – الغربيّ مع إيران يرسم تقاربًا ناجزًا، والحديث عن مؤتمر جنيف -2 يُصوّر انتصارًا كاملًا للأسد ونظامه. حتّى المحاولة التي يرعاها جون كيري للتقريب بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين، تجد من يستبق نتائجها ويهلّل لنجاحها المضمون!

 

 

وبطبيعة الحال فإنّ نزوعًا رغبويًّا حادًّا يقف وراء هذا الاستعجال، جاعلًا من الأمنية تفكيرًا ومن التفكير أماني.

 

والأمر ليس كذلك، بدليل أنّ جلسة الحوار مع إيران في جنيف انتهت إلى انسداد، بينما التناقضات الكثيرة، بين النظام والمعارضة السوريّين كما بين الروس والغربيّين، قد تنسف جنيف السوريّ. أمّا في ما خصّ الإسرائيليّين والفلسطينيّين، فبالكاد بدأت مسيرة يقف في طريقها ما لا يُحصى من مستوطنات.

 

هذا لا يعني أنّ اليوم مثل الأمس، وأنّ لا جديدَ في الأفق. فأغلب الظنّ أنّ ثمّة رغبة يتقاطع عندها الأمريكيّون، الراغبون في تقليص التزاماتهم، والروس، الراغبون في توسيع دوائرهم، لإعادة صياغة منطقة الشرق الأوسط المتنازعة والمتصارعة والمقلقة للعالم كلّه. فإذا جمعنا جنيف الإيرانيّة إلى جنيف السوريّة إلى المحاولات الأمريكيّة على الجبهة الفلسطينيّة – الإسرائيليّة، ارتسمت ملامح ميل أوّليّ إلى مؤتمر دوليّ جامع من النوع الذي يراجع السياسات وقد يراجع الخرائط أيضًا. وهذا ما يستدعي حكمًا أن تكون الأطراف المعنيّة في حال من التواصل الذي تشهد عليه تطوّرات كمثل تدفئة العلاقات الروسيّة – المصريّة، أو استئناف العلاقات البريطانيّة – الإيرانيّة.

 

وميل كهذا لا ينفصل عن تطوّر كبير مفاده أنّ الثورات العربيّة هزّت الوضع القائم القديم هزًّا عميقًا، إلاّ أنّها أبدت وتبدي عجزها عن استيلاد وضع قائم جديد ذي نصاب مستقرّ. وفي هذه الفجوة اتّسعت رقعة الفوضى وصعدت قوى متطرّفة لا يتّسع لها صدر العالم. يضاف إلى ذلك أنّ قوى، كالأكراد مثلًا، بل خصوصًا، نجحوا في التحوّل لاعبًا كبيرًا في غير بلد من البلدان التي يتمزّق نسيجها الوطنيّ.

 

بطبيعة الحال فإنّ ميلًا كهذا يحضّ على استحضار نقاط التقاطع وتظهيرها بين المعنيّين بالأمر، والنقطة الأهمّ، في هذا المجال، مسألة الإرهاب. بيد أنّ استحضار التقاطع لا يعني تغييب الخلافات، وإلاّ انتفت الحاجة إلى أيّ مؤتمر، بل إلى كلّ سياسة أيضًا. وهذا ما يسمح بالقول إنّ تلك العمليّة، التي لا تزال في بداياتها، ستغيّر إيران، وقد تغيّرها أكثر ممّا تغيّر البلدان والمناطق الأخرى. ذاك أنّ نظامًا إيديولوجيًّا وإمبراطوريّ النزوع يصعب أن يصمد لتعديلات يرغب أصحابها في استئصال أسباب التوتّر والاضطراب.

 

مع هذا، فإنّ ما يدعو إلى شيء من الحذر هو أنّ مبادرة ضخمة كهذه، إذا ما أتيح لها الإقلاع، تتطلّب إدارة أمريكيّة تعيش زخمها الأول، لا إدارة في النصف الثاني من ولايتها الثانية. كما تتطلّب دعمًا عسكريًّا أكبر لقوى كـ "معتدلي" الثورة السوريّة، ودعمًا سياسيًّا أكبر لقوى كالسلطة الفلسطينيّة، بما يعدّل توازنات القوى على نحو أكثر نفعًا لصورة المستقبل بوصفه شيئًا أشدّ عدلًا واستقرارًا.

 

ولا بأس، في هذه الغضون، من تغليب المراقبة على الاستنتاج.

 

نقلًا عن الحياة اللندنية

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    اعلان