رئيس التحرير: عادل صبري 06:16 صباحاً | الخميس 03 ديسمبر 2020 م | 17 ربيع الثاني 1442 هـ | الـقـاهـره °

صيام عاشوراء عبادة لخلفيات سياسية

صيام عاشوراء عبادة لخلفيات سياسية

مقالات مختارة

حامد العطار

صيام عاشوراء عبادة لخلفيات سياسية

حامد العطار 13 نوفمبر 2013 16:47

إنه يوم من أيام الله، يوم تختصر فيه أيام وشهور وسنوات، يوم الحسم، فما أكثر الأيام التي تتشابه بعضها ببعض، وتطوى بأحداثها فلا يبقى فيها ما يعلق بالذاكرة، ليس فيها ما يستحق الوقوف عنده، لكن هذا اليوم محطة من المحطات، التي تغير فيها التاريخ، وداول الله فيها الأمم، وخفض أقواما ورفع آخرين.

 

إنه يوم عاشوراء، العاشر من شهر المحرم، أحد الأشهر الحرم، عظمه موسى، ونسبه الله إلى نفسه، فسماه شهر الله" أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم " { رواه مسلم } وتنقل تعظيمه بين القرون، فعظمته العرب وكانت تصومه قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم.


إنه يوم الخلاص الكبير من الظلم الثقيل، تخلص فيه موسى وقومه من بطش فرعون وملئه، تخلصوا فيه من ظلمه وعسفه وتسلطه وانتقامه" إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (31) [الدخان/31] إيذاء لقوم موسى لم يتوقف يوما، من قبل أن يأتيهم موسى، ومن بعد ما جاءهم " قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا [الأعراف/129] فهو يوم النجاة والانتصاف، وما أجمل اليوم الذي يتشفى فيه المظلوم من ظالمه، ويتخلص فيه من ظلمه وطغيانه " ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ [التوبة/14]


ولقد أكثر القرآن من ذكر قصة موسى وفرعون، حتى قال أحدهم: كاد القرآن كله أن يكون عن موسى وفرعون، فقد ذكرت قصتهما مئة وستا وثلاثين مرة. في أربع وثلاثين سورة، وكان تتويج هذا الذكر المفصل أن جعل يوم النهاية، يوم عاشوراء، يوما خالدا لهذه الذكرى، وإمعانا في التخليد، صام النبي صلى الله عليه وسلم هذا اليوم، وأمر بصيامه، ومن قبله صامه سيدنا موسى،،فقد روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل اليهود: ما هذا اليوم الذي تصومونه ؟ فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومه، فقال: فنحن أحق وأولى بموسى منكم " بل لم يكن أجر صيامه كبقية الأيام مع ما للصيام من فضل، روى مسلم" صيام يوم عاشوراء احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله".


 وذلك كله إلحاح على الذاكرة ألا تنسى هذا اليوم في زحمة الأيام المتشابهة، فلماذا كل هذا الاحتفاء بهذا اليوم العظيم؟


1-      حتى يتيقن الناس أن لكل ظالم نهاية، روى الشيخان من حديث أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم يقرأ (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة). وهذه النتيجة الحتمية، قد ينسيها من الذاكرة طغيان الطغاة، فتعود عليهم كل عام لتنعش بها الذاكرة من جديد.


2-      حتى يتجسد مشهد أتباع فرعون كل عام أمام البصائر والعيون، أولئك الذين استخفهم فرعون فأطاعوه، واستعبدهم فتابعوه، فاستمرت متابعتهم معه إلى أن أهلكهم الله معه" فَاستخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54) فَلَمَّا آسَفُونَا انتقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ [الزخرف/54، 55] إنهم قوم لا يستحقون الحياة ولا النجاة، إنهم تابعوه متابعة العميان حتى في يوم الفرقان، لما ضرب موسى وقومه البحر بعصاه، فانفلق، فكل كل فرق كالطود العظيم، ومر موسى عليه هو وقومه بسلام، ما ابتلت أقدامهم ولا رواحلهم، أقبل فرعون على شعبه الذي طالما استغفله فصدقه، وأشبعه بإعلامه الكذوب فأتبعه، فقال لهم: انظروا كيف انحسر البحر لي لأدرك عبيدي الآبقين من يدي، الخارجين على طاعتي وبلدي؟

ووجد شعبًا، عطل عقله وعينه، وسد عن الحق أذنه وقلبه، فصدقوه، ونزلوا البحر مسرعين، وغادروا الشاطئ أجمعين، فعند ذلك أمر الله تعالى كليمه فيما أوحاه إليه أن يضرب بعصاه البحر، فضربه فارتطم عليهم البحر كما كان، فلم ينج منهم إنسان.


3-      حتى يتذكر الناس أن فرعون الذي كان ينازع الله في ألوهيته وربوبيته، دخل بنفسه مكان حتفه وغرقه.


4-      ليعلم الناس – وهو يصومون هذا اليوم العظيم- أن الكون كله يكره الظلم والظالمين، فهذا جبريل الملك الكريم، الذي طالما نزل إلى الأرض من السماء مبعوثا بكلمة التوحيد، ها هو ذا يضن برحمة الله أن تدرك طاغية الأرض وملعون السماء، فقد أخرج الترمذي وابن حبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن جبريل عليه السلام جعل يدس في فم فرعون الطين خشية أن يقول لا إله إلا الله، فيرحمه الله " مبعوث كلمة التوحيد يسابق الفم الأثيم أن ينطق بها، فكيف بمن اكتوى بنار الظلم وويلات العذاب. وليس جبريل فقط، بل الكون كله، هتف في هذا اليوم: يسقط يسقط حكم الظالم" وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24)... فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ [الدخان/24-29] وهو تعبير يلقي ظلال الهوان، كما يلقي ظلال الجفاء.. فهؤلاء الطغاة المتعالون لم يشعر بهم أحد في أرض ولا سماء. ولم يأسف عليهم أحد في أرض ولا سماء. وذهبوا ذهاب النمال، وهم كانوا جبارين في الأرض يطأون الناس بالنعال! وذهبوا غير مأسوف عليهم فهذا الكون يمقتهم لانفصالهم عنه، وهو مؤمن بربه، وهم به كافرون! وهم أرواح خبيثة شريرة منبوذة من هذا الوجود وهي تعيش فيه! ولو أحس الجبارون في الأرض ما في هذه الكلمات من إيحاء لأدركوا هوانهم على الله وعلى هذا الوجود كله. ولأدركوا أنهم يعيشون في الكون منبوذين منه، مقطوعين عنه، لا تربطهم به آصرة، وقد قطعت آصرة الإيمان.


فما أجمله من يوم، يطمئن بذكراه المظلوم أن للكون ربا سينصره يومًا.
 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    اعلان