رئيس التحرير: عادل صبري 03:50 مساءً | السبت 15 أغسطس 2020 م | 25 ذو الحجة 1441 هـ | الـقـاهـره °

في افتتاح قناة السويس.. الخديوي إسماعيل وعبد الناصر لدعم السيسي

في افتتاح قناة السويس.. الخديوي إسماعيل وعبد الناصر لدعم السيسي

ميديا

عبد الناصر والسيسي والخديوي اسماعيل

في افتتاح قناة السويس.. الخديوي إسماعيل وعبد الناصر لدعم السيسي

أسامة صفار 01 أغسطس 2015 12:10

يستدعي حفل افتتاح التفريعة الجديدة لقناة السويس من الذاكرة صورتين لكل منهما ما بعدها، الأولي للخديوي اسماعيل خامس الحكام من أسرة محمد علي باشا و الذي أجبرته الاستدانة من الخارج علي التنازل عن العرش رغم مشروعه النهضوي الجبار أما الصورة الثانية فهي للرئيس الراحل جمال عبد الناصر وقراره الذي صنع تحولا دراميا جباريا في تاريخ المنطقة والعالم بتأميم القناة وتلاه عدوان ثلاثي من اسرائيل وانجلترا وفرنسا.


ومن الحاكمين اللذين ربطت الأحداث بينهما وبين القناة الي الحاكم الحالي و الذي أضاف الي القناة " تفريعة " أو " قناة موازية " يبقي الجدل حول الجدوي وبينما تجاهلت كتب التاريخ البداية الحقيقية لفكرة القناة والتي انطلقت من الفرعون سنوسرت الثالث ثم تلاه نابليون الذي صرف النظر بعد أن أبلغه مهندسوه أن البحر الأحمر يرتفع فوق مستوي البحر المتوسط ثم ديليسيبس أخيرا والذي يعود الي طموحه وجشعه وذكائه و " وطنيته كفرنسي " الفضل في حفر القناة بأيد مصرية.

 

ولعل الثابت الوحيد هنا أن ثمة ارادة شاءت الا تستفيد مصر بثروتها وبريع قناتها منذ حفرها واستفادة الشركة العالمية لقناة السويس منها وبعد تأميمها ونتيجة للعدوان يتم اغلاقها ثم تغلق مرة أخري بسبب هزيمة يونيه ومن ثم يعاد افتتاحها في 5 يونيه 1975 .. تلك تواريخ تشير الي ارادة حديدية في ألا تكون القناة " تحت السيطرة الكاملة " وحين صارت بالفعل تحت السيطرة .. كان ريعها يذهب الي القصور الرئاسية لمبارك !

 

يقول الكاتب الانجليزي الشهير برنارد شو أن التاريخ حين يعيد نفسه يصبح الأمر مسخا لا معني له .. ورغم ذلك فقد عاشت المنطقة العربية و مصر بشكل خاص حالة من الاستعادة الدائمة والاستدعاء للصور القديمة بهدف اسقاطها علي واقع بائس لا يملك من الحلول ما يمكن تقديمه مهرا لمستقبل و اذا كان الخديوي اسماعيل قد سار علي خطي جده محمد علي باشا فقد سار حاملا رؤية نهضوية فقدم تطويرا حقيقيا عبر تحويل مجلس المشورة الي مجلس شوري النواب و كلف الحكومة بنفقة تعليم تلاميذ المدارس و أنشأ المجالس المحلية و قدم تطويرا معماريا ما زال الكثير منه شاهدا علي طموحه وغير ذلك مما سجله المؤرخون لكن مصر 23 يوليو ومنذ رحل جمال عبد الناصر تسير حول نفسها في محاولة دائمة لاستدعاء الصور الذهنية للحكام انطلاقا من الخليفة عمر بن الخطاب حتي الرئيس أنور السادات !
 

و لعل مشروع قناة السويس الجديدة التفريعة بجدواه الاقتصادية التي يكذبها البعض ويبالغ اخرون في تقييمها ضرورة حقيقية لكنه قد لا يكون أولوية اقتصادية في الوقت الحالي لكن الأهم أن التصميم علي اقامة حفل فخم والدفع بالاعلام للاعلان عن حساب " فرحة مصر " لدفع تكلفة الاحتفال من جيب الشعب الذي دفع تكلفة الحفر أيضا هو محاولة لاقامة " صورة ذهنية تستدعي الخديوي اسماعيل أو لمؤسس الثاني للدولة المصرية " لكن من دون استدانتة من دول أجنبية خاصة أن الديون المصرية لا تحتاج الي رفعها عن المعدل الذي وصلت اليه سواء داخليا أو خارجيا.
 

ولأن التفريعة الجديدة لجأت الي المصريين في 60 مليار جنيه فقد ولدت مصرية من دون حاجة الي تأميم وبالتالي فلا أمل في تحول درامي عبر القناة.
 

الخديو اسماعيل

عين خديوي مصر بقرارمن السلطان عبد العزيز الأول و استقر علي أن تبقي خلافته وراثية بين أبنائه.
 

وكان الخديوي اسماعيل يري أن مصر يجب أن تلحق بركب الحضارة العالمية الذي تأخرت عنه طويلا نتيجة انشغال محمد علي باشا بحروبه ثم العزلة والضعف الذي فرض عليها باتفاق 1840 لذلك سعي الي التخلص من التزامات تلك المعاهدة التي فرضت تحديد عدد أفراد الجيش المصري من ضمن شروط تعسفية كثيرة أخري.
 

وعمل علي صنع حالة من التنمية الشاملة سواء في النظام السياسي أو الأداء الحكومي أو الصناعة كما عمل علي اتساع الرقعة الزراعية في مصر وأنشأ ترعتين في الصعيد والوجه البحري .. و لكن الرجل الذي حصل علي اذن الباب العالي في الاستانة بالاستدانة من دون المرور علي السلطان انطلق في اقتراض الأموال حتي غرقت البلاد في بحر من الديون و بدأت تقترض لتسدد القروض !
 

ويذكر المؤرخون أن الخديوي اسماعيل رغم كل حسناته كان مسرفا لحد السفه والجنون سواء في حياته الخاصة أو علي مستوي مصر ولعل حفل افتتاح قناة السويس كان نموذجا حيا لذلك الاسراف فقد بنيت دار الأوبرا بأمر من الخديوي إسماعيل للاحتفال بافتتاح قناة السويس وقام المعماريان «بيترو أفوسكاني» (من ليفورنو) و«روتسيي» بتصميم مبني الأوبرا وقد صنعت من الخشب وكانت تسع 850 مقعدا.
 

وتم اختيار معزوفة ريجوليتو لجوزيبي فيردي لكي تكون أول عزف في حفل افتتاح الأوبرا في 1 نوفمبر 1869، لكن الخديوي إسماعيل كان يخطط في احتفال أكثر فخامة لافتتاح الأوبرا، بعد أشهر من التأجيل وبانتهاء الحرب البروسية الفرنسية، تم تقديم عمل فيردي الأوبرالي عايدة في افتتاح عالمي في دار الأوبرا الخديوية في 21 ديسمبر 1871.
 

سافرالخديوي إلى أوروبا في 17 مايو 1869 لدعوة الملوك والأمراء ورؤساء الحكومات ورجال السياسة والعلم والأدب والفن لحضور حفل افتتاح القناة الذي عزم أن يقيمه في 17 نوفمبر 1869.
 

وبعد أن عاد الخديوي إلى مصر بدأ في الإعداد للحفل الكبير فاستخدم 500 طاه وألف خادم ليكونوا في خدمة الضيوف، وطلب من دي لسبس أن يقوم بالاستعدادات لضيافة ستة آلاف مدعو.
 

وفي يوم 15 أكتوبر 1869 بدأ المدعون بالقدوم ضيوفاً على مصر في بورسعيد مقر الحفل، والتي ضاقت أرجاؤها بالمصريين القادمين من جميع أنحاء مصر لمشاهدة فعاليات الافتتاح، بإيعاز من الخديوي إلى مديري الأقاليم ليرسل كل منهم جماعة من الأهالي بنسائهم وأطفالهم وأدواتهم البيتية وركوبهم، فانتشروا على طول القناة، أعراب، وسودانيين وفلاحين، وصعايدة تعبيراً عن كافة طوائف الشعب المصري.
 

وسافر الخديوي مع حاشيته ووزيريه نوبار باشا وشريف باشا إلى الإسكندرية حيث استقل يخته المحروسة وأبحر إلى بورسعيد، ورأى الخديوي السفن قادمة من جميع أطراف العالم تحمل ضيوفه الحاضرين على نفقته الخاصة، واصطفت أساطيل الدول في مرفأ بورسعيد ومن ضمنها الأسطول المصري وقد انتشرت على ضفاف القناة قوات الجيش المصري للحفاظ على نظام الاحتفال. وانطلقت طلقات المدافع مدوية احتفالا بوصول الضيوف واحدا تلو الآخر.
 

بدأت الفعاليات بحفلة دينية بعد ظهر يوم 16 نوفمبر 1869، وأقيمت ثلاث منصات خشبية كبيرة على شاطئ البحر مكسوة بالحرير والديباج ومزينة بالأعلام ومفروشة بأثمن السجاجيد ونشرت في أرجائها الرياحين والورود وصفت فيها الكراسي، فخصصت منصة الوسط للضيوف وعلى رأسهم مضيفهم خديوي مصر، وخصصت المنصة اليمنى للعلماء المسلمين في مقدمتهم الشيخ السقا والشيخ العمروسي والشيخ المهدي العباسي مفتي الديار المصرية، فيما خصصت المنصة اليسرى لأحبار الدين المسيحي ورجال الإكليروس وعلى رأسهم المنسيور كورسيا أسقف الإسكندرية والمنسيور باور الرسول البابوي. ونصب على الشاطئ الآسيوي خيالة بورسعيد وعلى الشاطئ الإفريقي المظلات البديعة للجماهير المدعوين. ووقفت السفن بالمرفأ على شكل قوس وكان عددهم يفوق الثمانين بجانب خمسون حربية منها ست مصرية ومثلها فرنسية واثنتا عشرة إنجليزية وسبع نمساوية وخمس ألمانية وواحدة روسية وواحدة دنماركية واثنتان هولنديتان واثنان أسبانيتان.‏‏

 

في الثانية بعد ظهر يوم 16 نوفمبر أخذ المدعوون يتقدمون نحو الإيوان والمظلات حتى جلس كل في مكانه فتوسطت الإمبراطورة أوجيني الصف الأول وإلى يمينها إمبراطور النمسا والخديوي إسماعيل ثم ولي عهد بروسيا فولي عهد هولندا وعقيلته وإلى يساره جلست مدام اليوت عقيلة سفير إنجلترا بتركيا (الذي وكله السلطان بذكر اسمه عند افتتاح القناة) فالسفير إليوت فالأميرة مورا، وعلى اليمين جلس الأمير محمد توفيق باشا ولي عهد مصر فالأمير هوفمان لو.
 

ودوت المدافع متتابعة من كل الجهات إيذاناً ببدء الحفل الديني. ووقف شيخ الإسلام محاطاً بالعلماء وتلا ما تيسر من القرآن الكريم ثم دعا الله أن يختص هذا العمل العظيم بعنايته ورعايته وأن يهيئ له النجاح في كل زمان. ثم تقدم المنسيور كورسيا يحوطه رجال الإكليروس وتلا صلاة حارة دعا الله فيها أن يكلأ هذا العمل ويباركه بروح من عنده.
 

ثم تقدم المسيو باور وألقى بصوت جهوري وبعبارة فرنسية بليغة خطاباً وجهه إلى الخديوي أولا خصه فيه بآيات الشكر والثناء على قيامه بهذا العمل العظيم الذي أدى إلى تصافح الشرق والغرب.
 

وعند المساء مدت الموائد متتابعة لستة آلاف مدعو وبها أشهى الأطعمة والأشربة، حتى إذا حلت الساعة الثانية بدت الأنوار والزينات على ضفتي القناة كأنها ضياء الصباح. وظهر يخت الخديوي المحروسة في حلة من الأنوار وأخذ يطلق مدفع بين دقيقة وأخرى والموسيقى تدوي بنغمات الفرح والسرور وانقضى الليل واختتمت الحفلة بالألعاب النارية. وعند شروق شمس صباح يوم 17 نوفمبر كانت السفن تمر في قناة السويس وقد استعدت للإبحار وتقدمها يخت الإمبراطورة أوجيني.
 

وقد أدت النزعة الإستقلالية للخديوي إسماعيل في حكم مصر إلى قلق السلطان العثماني، بالإضافة إلى الأطماع الإستعمارية لكل من إنجلترا وفرنسا لمصر وتحت ضغط كل من قنصلي إنجتلرا وفرنسا على السلطان العثماني عبد الحميد الثاني أصدر فرماناً بعزل الخديوي إسماعيل في 26 يونيو 1879م وبُعث إلى مصر عن طريق التلغراف وجاء نص الفرمان الذي ورد من الآستانة كالتالي:
 

( إلى سمو إسماعيل باشا خديوي مصر السابق ، إن الصعوبات الداخلية والخارجية التي وقعت أخيراً في مصر قد بلغت من خطورة الشأن حداً يؤدي استمراره إلى إثارة المشكلات والمخاطر لمصر والسلطنة العثمانية ، ولما كان الباب العالي يرى أن توفير أسباب الراحة والطمأنينة للأهالي من أهم واجباته ومما يقضيه الفرمان الذي خولكم حكم مصر ، ولما تبين أن بقاءكم في الحكم يزيد المصاعب الحالية ، فقد أصدر جلالة السلطان إرادته بناء على قرار مجلس الوزراء بإسناد منصب الخديوية المصرية إلى صاحب السمو الأمير توفيق باشا ، وأرسلت الإرادة السنية في تلغراف آخر إلى سموه بتنصيبه خديوياً لمصر ، وعليه أدعو سموكم عند تسلمكم هذه الرسالة إلى التخلي عن حكم مصر احتراماً للفرمان السلطاني) وقد سافر إسماعيل بعد ثلاثة أيام إلى نابولي بإيطاليا، ثم انتقل بعدها للإقامة في الأستانة.
 

ناصر والسيسي
 

لم تكن مصر مثقلة بالديون في عام 56 لكنها كانت بحاجة اليها للبدء في مشروع السد العالي لكن الولايات المتحدة قامت بالضغط علي البنك الدولي الذي قام بسحب عرضه لتمويل المشروع فكان رد فعل عبد الناصر هو اعلان تأميم القناة فقامت كل من انجلترا وفرنسا واسرائيل بالاعتداء علي الأراضي والأجواء المصرية وصمد شعب بورسعيد وقدم تضحيات غالية وسجل له التاريخ بطولات عظيمة واستطاعت السياسة المصرية انهاء الحرب بانتصار سياسي.
 

لكن المشروع المصري بكامله أصبح مزعجا للاستعمار العالمي وكما تامر الغرب علي مشروع محمد علي باشا و انتهي الي معاهدة 1840 وتامر علي مشروع النهضة الاسماعيلية و عزل الخديوي ووضع بدلا منه ابنه توفيق الذي كان أداة طيعة في يد القوي الاستعمارية فان هذه القوي نفسها قضت علي مشروع الدولة المصرية الحديثة في عام 1967 ..

وهاهي التفريعة الجديدة .. نقطة انطلاق جديدة .لمستقبل بحاجة لمن تعلم درس الماضي أولًا.
 

 

اقرأ أيضًا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    اعلان