رئيس التحرير: عادل صبري 12:35 صباحاً | الاثنين 06 يوليو 2020 م | 15 ذو القعدة 1441 هـ | الـقـاهـره °

إسراء إمام تكتب..As above so below..الرعب في صورة أكثر تنقيحًا

إسراء إمام تكتب..As above so below..الرعب في صورة أكثر تنقيحًا

ميديا

فيلم As above so below

إسراء إمام تكتب..As above so below..الرعب في صورة أكثر تنقيحًا

إسراء إمام 21 سبتمبر 2014 13:09

فى اعتقادى دوما، أن الفيلم الذى يلقي إليك بأنصاف حقائق، ومن ثم يدفعك بشغف لتُعيد تدويرها لقصة كاملة من خلال محرك البحث على الإنترنيت، أو عن طريق قراءاتك الورقية تحت عناوين بعينها. هو إذا فيلم يستحق التأمل، والتمهل. فقد ملك جزء ما فى داخل المتفرج، على مستويين من التعاطى، أحدهما يخص الذهن والآخر الحواس. الأول مفهوم إلى حد ما، فالسيناريو بالطبع إن قدم إليك معلومة أو أخرى، فهو قد انتهى من مخايلة العقل بشكل من الأشكال. أما المستوى الثاني، فهو الخاص بالقوة القادرة برفع مستوى هذه المعلومة إلى مكان لائق فى خزانة الفكر. السبب الذى يجعل هذه المعلومة مهمة أكثر من غيرها، نصفها الغائم قابل لأن يُداعب مخيلة المُشاهد ويجبره على النبش فيه أم لا. إنها مهمة الحواس، هكذا نحتفظ بالمعلومات لمدى أطول، وهى مُغمسة بتاريخ محسوس له وقعه. أما المعلومة الجافة، فهى القايلة للسقوط بشكل أقرب، بلا هوية ولا سوابق.

As above so below من الأفلام التى إجتهدت لكى تخلف ورائها هامشيات لمعلومات تاريخية مهمة، فيما يخص المكان والأساطير، المنتمية لأكثر من ثقافة، سواء الثقافة الفرعونية القديمة، أو الكيميائية المصرية فى فترة أحدث، أو التعرض لجزء من التاريخ المكاني لمدينة باريس. كل هذا اجتمع فى خيوط درامية مؤثرة، مكتنزة وممتلئة عن آخرها بالجهد فى صياغة الحبكة الأساسية، التى إما أن تذهِب كل هذه المادة التجميعية أدراج الرياح، أو تُعلِى من هيبتها وتفسح لها مكانا قيما من إدراك المتفرج وإهتمامه.

الفكرة

إذا تجولت يوما فى "كتاكومبوس" أو سراديب الموتى فى باريس، ستكون أول فكرة تضرب عقلك بإلحاح، كيف لم يُلهم هذا المكان أى سينمائى لصناعة فيلم. تم ذلك بالفعل فى عام 2007 حيث تناول فيلم يحمل نفس عنوان المكان "catacombas" قصة متخيلة تدور حوله. ولكن الفارق بين كل فيلم وآخر، ما سبق وأوضحته فى مقدمتى، هذه الحرفية فى إدماج كل ما يمتلكه أحدهم من مغريات تُمكنه من صناعة فيلم. وهذا ما جعل فيلم as above so below هو الأقرب للفيلم الجيد الذى يدور فى أروقة هذا المكان.

صنع الثنائى جون، إريك دودل (كُتاب السيناريو) مادة خام ثرية للحكي، منحت الفكرة حيوية وبريق، إلى جانب الجزء المتأصل الذى تملكه بخصوص غموض المكان الذى تدور حوله الأحداث، وهو المكان الذى يحوى أكثر من ستة ملايين جثة مدفونة أسفل شوارع باريس، ويعد مزارًا سياحيا شهيرا بعنوان "مدينة الموتى". لم يتوقف السيناريو عند ألمعية الفكرة، بينما أعد خطوطًا موازية لتجاريها وتخلق منها قصة تستحق الثناء. ليمِّس السرد أسطورة حجر الفلاسفة الشهيرة، الحجر الذى أفاد جابر بن حيان قبل زمن بقدرته على تحويل المعادن العادية إلى ذهب، وطاقته فى شفاء الأمراض واستخلاص إكسير الحياة، أو بمعنى آخر مقاومة الشيخوخة. وهو ذاته الحجر الذي اعترف نيوتن برغبته فى البحث عنه، على أوراقه الخاصة التى عثر عليها البعض فيما بعد. وفى نقطة مختارة جيدا، التقى المكان مع الأسطورة لبتدأ الحدوتة، وتتركك محمل بعدد من الأسئلة، وقدر من الإشباع النفسي، ومزيد من الفضول الذهني.

احترافية "التحضير"

للرعب أكثر من فلسفة، وفلسفة أفلام هوليود الحديثة فى الرعب تقوم على مبدأ "كيف يمكننى إفزاعك". أما فيلم as above so below انتهج النظرية الأكثر توفيقًا، وهى " كيف يمكننى تحضيرك للحظة الفزع". ففى الفقرات السابقة، تحدثت عن الكثير من المحتوي الموجود بالفيلم، ولم أتطرق لأى شيء يخص الترويع أو الفزع، رغم أن الفيلم ينتمى إلى هذا التصنيف وبقوة. إلا أن إمكانية الثرثرة عن الفيلم بعيدًا عن التطرق لطبيعته المروعة، يعتبر مؤشر دامغ على بنائه المحكم، وأساساته الثابتة. ومعالجته التى لم تسلك أقصر الطرق وأقربها، وبالتالي أكثرها ابتذالا.

سكارليت مارلو مستكشفة الآثار الفضولية، والتى تقرر إتمام عمل والدها فى البحث عن حجر الفلاسفة، تعثر أخيرا على مكانه المحتمل بعد عملية تنقيب شاقة. بدأ الفيلم بآخر فصولها، ليطل على المتفرج بإطلالة قوية، ترمى إليه ببضع سمات من الأجواء التى سيتعرض لها لاحقا، وفى الوقت ذاته تربط بينه وبين رحلة سكارليت المضنية، والأهم أنها تساهم فى تحضيره للحظة الفزع المؤجلة، تجعلها مرتقبة كما يجب لها أن تكون.

فى المشاهد الأولى، تعثر سكارليت على مفتاح روز فى أحد الكهوف بإيران، المفتاح الذى يُبين السرد فيما بعد أنه من أهم أدوات فك شفرة مكان حجر الفلاسفة. هكذا بدأ الفيلم بسرده عن الرحلة والتمهيد لها بخبث، ليجعل المتفرج بالفعل متورطا فى واحد من أهم فاعليتها (العثور على مفتاح روز) وبعدها يأتى الشرح والتوصيف (شرح أهميته ووظيفته)، مما يُعمق من أثر الجزء الأساسى القادم . الذى سيُلاصق فيه المتفرج أبطال الفيلم جنبا إلى جنب.

جورج، بينجى،بابليون، وآخرون سينضمون إلى رحلة جلب الحجر من سراديب الموتى مع سكارليت. لتبدأ فى روّية مرحلة التحضير من جديد، عن طريق التعريف بخصال كل شخصية بنسبة متفاوتة. أكثرهم بروزا كانت "سكارليت" بالطبع، فبضع مشاهد مبدئية تبرز مدى جنونها وشبقها الغريب نحو إستكشافها بغير عقل. فمرة تقتحم الكنيسة بحثا عن جورج، وأخرى تزحزح أثرا هامًا من المتحف وتضع عليه بعض من تركيبتها الكيميائية، لكى تصل للطلسم الذى تبغيه والمتواري فى ظهر الأثر. إنها بعض الأشياء التى تبدو خارجة عن المنطق، ولكنها تصب فى كافة واحدة متزنة صوب طبيعة الشخصية التى أمامنا، وبالتالى حينما يراها المتفرج فيما بعد تهرول صوب حتفها فى السراديب_ بغير مبالاة ولأكثر من مرة_ لن يشعر بقدر كبير من الغرابة. جورج يأتى من بعدها، لا يتم إظهاره بنفس الشكل الذى تبدت عليه شحصية سكارليت، ولكن يتكئ السيناريو على جانبه المظلم فى حادثة أخيه القديمة، وهكذا تأتى ندبة بابليون. تتقلص دوائر التعرض لدواخل الشخصيات، وأحيانا تتلاشى مع شخصيات مثل بينجى وغيره، ولكن تظل مساحة من الحميمية منفتحة بين كل واحد منها وبين المتفرج بشكل أو بآخر.

شكل التنفيذ

إختار المخرج جون إيرك دودل، أن يتم التصوير بأسلوب بدائى يشابه ما جاء فى الفيلم الأشهر the Blair witch project، والذى يبدأ من منطلق كون أبطال الرحلة المسؤولون عن توثيق فيلمهم وخطواتهم. ولكى تتوسع عين الكاميرا، ركّب كل من الرفاق الستة كاميرا ملاصقة للكشاف فوق رؤوسهم. وبالتالى، التصوير بهذه الطريقة، كان أداة من أدوات الرهبة التى إمتكلها الفيلم واستغلها فى بعض مناطق إلى آخرها. ففى مشاهد عُطب الكاميرا، وتقَطع استسرسال بث الصورة نتيجة لموقف ما، تبدى الأمر وكأنه كابوس حقيقى. وهى الحالة التى أرادها صناع الفيلم لكى تصل للمشاهد. وقد نجح فى تخليقها.

إكليشيه وعلامات استفهام

الفيلم بكل إختلافه، ينغلق على عدد من مناطق الضعف الملحوظة. بداية من الإكليشيهات التى اعتمد عليها فى الترويع وخصوصا عند ربعه الأخير، ومرورا بالإستسهال فى رسم شكل عالم الجحيم السفلى بصورة متماثلة ومتوقعة، صدرتها عدد من الأفلام الهوليودية من قبل. ونهاية باللقطة المعهودة والأكثر استفزازا التى يصرخ فيها أحد الرفاق مستغيثا ومن ثم يضحك ويفيد بأنها مزحة.

غير أنه خلف العديد من علامات الإستفهام السلبية، التى تكشف عن مناطق هشة فى التناول. من ضمنها شكل النهاية، والطريقة الساذجة التى انقلب إليها منطق معاقبة كل شخص بماضيه ومخاوفه، ليموت الأفراد تباعا ومن ثم يتبقى البعض منهم، فلا يقتنع المتفرج بسبب وفاة الأولين ولا نجاة الآخرين. فضلا عن غموض الجزئية التى تخص اسم الفيلم، والتى تخص طريقة انعكاس وضعية محتوى الغرف التى يتعمق فيها الأبطال داخل السراديب، حيث تم المرور عليها فى الشرح بشكل سريع ومُلتبِس رغم أهميتها وسوابقها الأسطورية الموثقة.

آخر كلمتين:

_ فيلم as above so below أبجدية جديدة تحاول التملص من عباءة الرعب الهوليودية.

_ أفيش الفيلم من جمالياته الملفتة. صورة برج ايفل المعكوسة المستندة على كم هائل من الجماجم، والخلفية الحمراء الفراغية القانية من خلفها، لابد وأن تسترق نظرك واهتمامك إن مررت بها أو جاورتها، مهما تعددت البوسترات من حولها.


 

اقرأ أيضًا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    اعلان