رئيس التحرير: عادل صبري 10:33 مساءً | السبت 06 يونيو 2020 م | 14 شوال 1441 هـ | الـقـاهـره °

بوليتيكو: تصدعات في عرش السيسي

بوليتيكو: تصدعات في عرش السيسي

صحافة أجنبية

صورة المقال كما أوردتها مجلة بوليتيكو

بوليتيكو: تصدعات في عرش السيسي

وائل عبد الحميد 29 يوليو 2015 22:09

تحت عنوان "رسالة من القاهرة..تصدعات في عرش الفرعون الجديد، استقرار مصر السيسي مجرد سراب"، جاء مقال مطول للكاتب كوريت ديبوف  بمجلة بوليتيكو بنسختها الأوروبية.

وإلى نص المقال

"يمكن أن أتعرض للاعتقال  في أي لحظة.الشرطة السرية  تتعقبني ليلا ونهارا"..هكذا قالت أمل ، 40 عاما،  وهي تدخن سيجارة تلو الأخرى. إنها خائفة، بل خائفة جدا.

وغيرت أمل موضوع المقابلة كل دقائق قليلة. وكان جالسا بجوارها زميلها أيمن، الذي أخذ يتساءل إذا ما كان سيُسمح له بمغادرة البلاد في اليوم التالي.

لقد اتفقنا على المقابلة في زاوية معتمة، في "بار" تحت الأرض بضاحية المعادي بالقاهرة.

وفي كل مرة نلتقي فيها، يصبح المكان أكثر ظلاما، بعيدا عن "الآذان الصاغية".

أمل وأيمن هما عضوان في المكتب السياسي لحركة شباب 6 أبريل "المحظورة"، التي تتألف من مجموعة من النشطاء ساعدوا في تنظيم ثورة 2011 ضد الديكتاتور حسني مبارك.

وبعد الثورة، نُظر إليهم باعتبارهم أبطالا، بعد تمكنهم من تحقيق ما كان بعيدا عن التصور.

ومنح البرلمان الأوروبي أسماء محفوظ، عضو الحركة، جائزة ساخاروف لحرية الفكر.

لكن بعدها بأربعة أعوام، حُكم على أحمد ماهر قائد الحركة، بالسجن ثلاث سنوات، لتحديه قانون التظاهر الذي صدر في نوفمبر 2013.

إنه أحد عشرات النشطاء الشباب الذين زج بهم في السجون منذ عزل الرئيس المنتخب ديمقراطيا محمد مرسي في يوليو 2013.

ومن أجل تبرير الحبس، لم تعد الحكومة ولا الإعلام يصوران النشطاء كأبطال، بل "عملاء فاسدين، يستهدفون زعزعة استقرار الوطن".

وكنتيجة لذلك، يصدق العديد من المصريين الآن أن ثورة 2011 لم تكن شيئا أكثر من كونها "مؤامرة غربية".

 الإخوان كانت الهدف الأول للقمع الذي أعقب عزل مرسي. فأعلنت محكمة مصرية في ديسمبر 2013 الجماعة "منظمة إرهابية".

أن تكون عضوا في جماعة الإخوان بات على نحو مفاجئ مساويا للانتماء لمنظمة إرهابية، في اتهام يكفي لاعتقالك، والزج بك داخل السجن.

ووفقا لإحصائيات منظمة "هيومن رايتس ووتش" بين يوليو 2013- مايو 2014، فقد اعتقلت الحكومة عشرات الآلاف من الأشخاص، وقُتل المئات.
وكان ذلك بمثابة موجة العنف الأولى.
 

الموجة الثانية
ويواجه أمل وأيمن الآن الموجة الثانية من الاعتقالات.

وشرح أيمن قائلا: “لقد كنا ننظم يوما من أيام العصيان المدني في11 يونيو عندما بدأت الشرطة في حملة اعتقال واختطاف، من المنازل والجامعات، حتى أنها استهدفت أطفالا ".

اختفاء الأشخاص لا يمثل ظاهرة جديدة في مصر، ولكنها حدثت بوتيرة غير مسبوقة خلال الشهور القليلة الماضية.

وسجلت حركة "الحرية للشجعان" 163 حالة اختطاف على أيدي قوات أمنية منذ أبريل 2015، بعضهم ظل مختفيا، والبعض أطلق سراحهم بعد استجوابهم وتعرضهم للضرب من الشرطة.

الأسباب وراء تلك الاختفاءات والاعتقالات المفاجئة ليست واضحة.

النظام المصري يبدو في حالة من الذعر. ولا أحد يعلم تماما لماذا، لا سيما وأن عبد الفتاح السيسي يبدو غير قابل للمساس، فهو الرئيس الذي انتخب في يونيو 2014 بنسبة 96.1 % من الأصوات.

كما جرى التصديق على دستور جديد في يناير الماضي، بنسبة موافقة 98.1 %.

وعلاوة على ذلك، يبدو  المشروعان الكبيران للسيسي يسيران على ما يرام. حيث يكون مشروع قناة السويس جاهزا في السادس من أغسطس المقبل، بدون تعديل، كما شهدت القمة الاقتصادية بشرم الشيخ في أبريل الماضي عقود  استثمار بإجمالي 36. مليار دولار.

وعلى المستوى الدولي، حصل السيسي على دعم كل من الخليج، والولايات المتحدة، وأوروبا، وروسيا.

وبدافع الخوف من الجماعات المتطرفة، مثل الدولة الإسلامية، والجماعات التابعة لها في ليبيا ومصر، يدعم قادة العالم أجندة السيسي المناهضة للإرهاب، مع الشعور بالارتياح من أنه بالرغم من انهيار العراق وسوريا وليبيا، فإن مصر على الأقل تبدو مستقرة. وهو التحليل الذي قد يتفق معه معظم المصريين.

ولذلك السبب، اندهش الكثيرون من قراءة الهجوم العنيف الذي شنته صحف مصرية رئيسية  على سلوكيات الشرطة في أبريل الماضي.

الكل في مصر يعرف أن نشر مثل هذا المقالات لا يمكن أن يتم دون موافقة مالك الصحيفة، وإحدى الأجهزة الأمنية الثلاثة.

وبعدها بأسبوعين فحسب، خصصت صحيفة الوطن "القريبة من الحكومة" صفحتها الأمامية للحديث عن " القوى السبعة الأقوى من السيسي"، وشملت "الفساد، وأصحاب النفوذ، ورجال الأعمال، ووزارة الداخلية، والإعلام ، والاقتصاد غير الرسمي، وشبكات التواصل الاجتماعي". لكن تلك النسخة صودرت من السوق.

الإحباط المتنامي 
تقرير صحيفة الوطن هو مثال على الإحباط المتزايد.

"أدفع الآن الضعف، فيما يتعلق بالعديد من الضرائب"، وفقا لسلطان، 41 عاما، المقاول المحلي في  "NGO”.

ألفريد، 38 عاما، مهندس، قرر أن يغادر  مصر بسبب ارتفاع معدل التضخم تنهد قائلا: “ مستوى معيشتي يتناقص شهريا، لم أعد أستطيع دفع فواتيري".

ورفض كلا الرجلان الإدلاء باسميهما الكاملين لي.

لقد صعدت أسعار الغذاء بنسبة 30 % منذ العام الماضي.

ألفريد ليس الوحيد الذي تنتابه تلك المشاعر، فقد أظهر استطلاع رأي أن ما يربو عن ربع المصريين الذكور، في الحقبة العمرية، بين 15-29 عاما، يريدون مغادرة  بلادهم جراء الأجور المنخفضة، أو نقص الفرص الوظيفية.

يذكر أن 30 % من المصريين يقبعون في الفئة العمرية بين 15-29 عاما، ويتطلع العديد منهم  إلى الهجرة. كما ينتشر الإحباط في كافة مستويات المجتمع المصري.

صحيفة البورصة، المتخصصة في قطاع المال، نشرت مقالا بعنوان "لماذا تتحرك الحكومة بسرعة السلحفاة؟".

الرئيس السيسي يتفق مع هذا النقد، وأعلن عن تذمره من عدم قدرة الحكومة على الإصلاح.

وأفادت شائعات باعتزام السيسي إجراء تعديل وزاري آخر يستبدل خلاله نصف الوزراء.

الوعود الأربعة للسيسي.
منذ أن تقلد السلطة في يوليو الماضي، قدم السيسي 4 وعود، هي "الإصلاح الاقتصادي والاستثمارات"، و" الإصلاحات الدينية"، و"الانتخابات الديمقراطية"، و"الانتصار في المعركة ضد الإرهاب".

وإلى حد ما، يحقق السيسي وعده الأول. فقد أصدر قوانين جديدة ضريبية واستثمارية، وجذب مليارات الدولارات من الاستثمارات.

الشركات الدولية تشعر بالتفاؤل الحذر بشأن المستقبل الاقتصادي ككل، وقررت البقاء في مصر. ولكن بالرغم من ذلك فهناك إخفاقات.

الإعلان عن "عاصمة جديدة" خلال مؤتمر شرم الشيح، لم يبد أكثر من "فكرة فوضوية".وكذلك الحال بالنسبة لمخططات أخرى.

المشكلة الأكبر هي أن السياحة، التي تمثل أكبر موارد الدخل المصري، ضُربت بشدة.

أما وعد السيسي الثاني، وهو إجراء إصلاحات إسلامية، فقد أثبت أنه "خطأ سياسي".

في خطوة لمجابهة الإخوان، طالب السيسي مؤسسة الأزهر، بإعادة التفكير في الأمور الدينية.

واستجابت قناة تلفزيونية لذلك التحدي، وبثت مناظرة حية بين عالمين أزهريين، والباحث إسلام البحيري.

فجأة، وجد المصريون أنفسهم في مناظرة تحدي علنية، عن القرآن ودور الدين في المجتمع، وهو ما فتح جدالا دينيا واتهم الأزهر البحيري بازدراء الدين. 

وكانت هذا كافيا بالنسبة للإعلامي إبراهيم عيسى، لانتقاد السيسي بشدة، في برنامجه الذي يحظى بمشاهدة واسعة.

وفي 31 مايو، أصدر القضاء حكما بسجن البحيري 5 سنوات بتهمة ازدراء الأديان.

ولكن أبواب الجدل جرى فتحها، ولن يكون أحد قادرا على غلقها مجددا في القريب العاجل.

وفي اليوم الذي عزل فيه السيسي مرسي، قرأ بيانا بخارطة طريق إصلاحية، تتضمن عقد انتخابات رئاسية، والإعداد لانتخابات برلمانية.

ورغم مرور عامين، لا يوجد قانون لتنظيم الانتخابات البرلمانية.

أحد الأسباب لفشل خارطة الطريق تتمثل في عدم قدرة السيسي على توحيد الأحزاب السياسية في تحالف واحد كبير يخوض الانتخابات.

معظم المصريين لا يبدون قلقين بشأن هذا التأجيل الانتخابي، بعكس اللاعبين الأساسيين.

على نحو كلاسيكي في مصر، تدار الأحزاب السياسية من خلال مليونيرات البيزنس الذين يصرفون على الأنشطة الحزبية، لكن الإحباط يتسلل إلى هؤلاء.

أثرياء آخرون، معظمهم مخلص لنظام مبارك القديم، يرغبون في عودة مقاعدهم البرلمانية، التي تمثل لهم مصدرا للهيبة والعلاقات.

صفوة البيزنس هم أحد أركان المجتمع المصري. فهم جزء مما تسمى بـ" الدولة العميقة"، وهي شبكة تمتد من وزارة الداخلية إلى الفنادق الفاخرة في البحر الأحمر.

هذه المجموعة لا تشعر فحسب بالإحباط من تأجيل الانتخابات. ولكن معظم رجال الأعمال تنتابهم خيبة الأمل من حقيقة أن نصيبهم في الكعكة أصغر كثيرا من مستوى توقعاتهم.

العديد من عقود البيزنس الجديدة تذهب للجيش، الذي يوسع نطاق دوره الاقتصادي المفرط.

مليونيرات البيزنس دعموا السيسي وحملته السياسية، لكنهم لم يحصلوا على شيء بالمقابل.

جزء كبير من الانتقادات المفاجئة التي شهدها الإعلام هو نتيجة تلك المعركة بين الجيش و"الدولة العميقة".

هذه الشبكة العميقة ذات دراية بكيفية تدمير أي نظام. ويعلم السيسي ذلك، ويشعر حيالها بالانزعاج.

الوعد الرابع الذي قطعه السيسي على نفسه، ربما يكون الأكثر ألما بالنسبة له. إذ أنه بعيد عن تحقيق انتصار في الحرب ضد الإرهاب.

لقد ذكر المجلس القومي المصري لحقوق الإنسان أن 1800 مدنيا، و700 من القوات الأمنية قضوا نحبهم في الفترة بين يونيو 2013 وديسمبر 2014.

معدلات الإشغال في زنازين أقسام الشرطة  تبلغ 400 %، كما أن معدل الإشغال في السجون بلغ 160 %، ورغم ذلك يتزايد الوضع سوءا.

وشهدت الشهور الثلاثة الأولى من عام 2015 فحسب هجمات إرهابية تعادل كافة الهجمات التي شهدها العام الماضي.

وكانت محاولة تفجير معبد الكرنك نقطة دمار منخفضة، ولكن أعقبها تفجير آخر أودى بحياة النائب العام.

وبالرغم من الانتشار العسكري المكثف، إلا أن الجيش ما زال غير قادر على السيطرة على شبه جزيرة سيناء.

الجماعات الموالية لداعش، وقبائل بدوية مسلحة تحول سيناء إلى أفغانستان مصر.

وقتل  خمسة جنود على الأقل خلال هجمات على نقاط تفتيش عسكرية الأسبوع الماضي.

المزيد من العنف
وما يزيد من احتمالات العنف، هو أن شباب الإخوان بات يشعر بالضجر على نحو متزايد من تعهدات قياداته بنبذ العنف. فلديهم أصدقاء في السجون، والبعض محكوم عليه بالإعدام.

وبينما يخشون على حياتهم داخل مصر، تحيا قيادات إخوانية خارجها،  في لندن واسطنبول والدوحة.

بعض الشباب ذهب إلى سوريا للانضمام إلى داعش، والبعض الآخر ينتظر تغيير الإستراتيجية، ويضعون آمالهم على ملك السعودية الجديد.

بعكس سلفه عبد الله، فإن الملك سلمان مقتنع أن مصر لا تستطيع الفوز في المعركة ضد ما يقدر بمليوني إخواني عبر العنف والاضطهاد.

إنه يرى إيران، وليس الإخوان، الخطر الوجودي الأكبر، ويرغب في بناء تحالف سني كبير.

المساعدات المالية من السعودية ودول خليجية أخرى أنقذت مصر من الانهيار منذ 2013. ولكن إلى أي مدى سيبلغ صبر السعودية حيال تلك المعركة الإيديولوجية لنظام السيسي.

السيسي محق إذن في أن يشعر بالتوتر. فهو يعلم أن استقرار مصر هش جدا، ولذا فإن رد فعله هو المزيد من القمع.

وتحت مسمى الحرب على الإرهاب، ينظر الغرب في الاتجاه الآخر.

مجددا، مصر هي بمثابة غرفة مليئة بالغاز. ولا نعلم بعد متى ينفذ هواؤها. وعندما يحدث ذلك، ستكون شرارة واحدة كافية لتفجير كل شيء.

كوريت ديبوف يعيش في القاهرة، ويعمل مدونا ومحللا سياسيا، وعمل مستشارا لرئيس الوزراء البلجيكي، وهو مؤلف كتاب "داخل الثورة العربية..ثلاث سنوات على الجبهة الأمامية للربيع العربي"

جانب من المقال


 

 

رابط النص الأصلي للمقال

اقرأ أيضا

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    اعلان