رئيس التحرير: عادل صبري 12:20 مساءً | الاثنين 16 ديسمبر 2019 م | 18 ربيع الثاني 1441 هـ | الـقـاهـره °

بالصور.. حمام واحد لسكان عزبة الصفيح.. والحي: دي منطقة محترمة جدًا

بالصور.. حمام واحد لسكان عزبة الصفيح.. والحي: دي منطقة محترمة جدًا

تقارير

عزبة الصفيح

في منطقة المنشية بالإسكندرية..

بالصور.. حمام واحد لسكان عزبة الصفيح.. والحي: دي منطقة محترمة جدًا

رانيا حلمي 29 مارس 2015 14:06

في قلب مدينة الإسكندرية، وعلى بعد خطوات من منطقة المنشية، يقع شارع النصر ببناياته المنمقة، والذي يؤدي إلى بوابة 10 لميناء الإسكندرية.

 

بمجرد دخولك إلى أحد المداخل الفاصلة لهذه البنايات، تكتشف وجها آخر لهذه المنطقة، فأنت في حارة "البقطارية"، أو كما تعرف بين السكندريين بحارة "البطارية".

 

داخل الحارة تقع عزبة "الصفيح"، والتي تتكون من حجرات صغيرة يربط بينها جميعا ممر ضيق، حيث تضم جدران الغرفة الواحدة ما بين 4 إلى 6 أفراد، فيما يشترك جميع السكان في"حمام" واحد.

 

 

 

"احنا عايشين تحت الأرض.. لا حد بيسأل ولا حد بيتكلم".

 

بهذه الكلمات عبرت عبلة (18 سنة) عن حياة أسرتها داخل هذا المكان الذي تعيش فيه منذ ولادتها، موضحة أن هذه الغرف يطلق عليها اسم "الخرابة"، وأنها كانت تسكن مع والدتها و4 من إخوتها داخل غرفة واحدة.
 

الأم عاملة نظافة في الحي، وعقب خروجها من العمل، في تمام الثالثة عصرا، تذهب للعمل في "حمام عام" بمنطقة بحري حتى المساء، وذلك كي تتمكن من توفير قوت الأسرة.
 

تقول عبلة التي رفضت أن تظهر في التصوير كباقي سكان العزبة: "أمي طول عمرها في الشقا، تسيق سلالم وتنضف بيوت، بتعمل كل ده علشان تلم في اليوم 10 جنيه".

 

مرتب بقيمة 300 جنيه هو كل ما تتحصل عليه أم عبلة من عملها بالحي شهريا، حيث تدفع 60 جنيها كإيجار للسكن، بينما تحاول تغطية احتياجات الأبناء بما يتبقى من مال.

 

وما بين مأكل ومشرب ودروس خصوصية لأصغر الأبناء ("آية" في الصف السادس الابتدائي، و"منة" في الصف الأول الابتدائي)، لا يكاد مرتب الحي يكفي أم عبلة شيئا.


 

 

"صبري وخالد" أخواها من الأم، توفي والدهما، وتزوج أحدهما، وتوجه لتعاطي المخدرات هربا من ظروفه، فكان مصيره السجن، بينما يعمل الثاني (22 سنة) بورشة للأحذية، ليستطيع تحمل مصاريفه الشخصية فقط.

 

حاولت عبلة العمل في أكثر من مهنة لتساعد والدتها في تحمل النفقات، ولأنها لم تتم تعليمها، فقد لجأت للعمل في محل للملابس وآخر للعصائر، كما عملت كمربية لأحد الأطفال.
 

كانت والدة الطفل تتركها لتقوم بكل الأعمال المنزلية ثم تجلس بالطفل، وذلك مقابل 20 جنيها في اليوم، لكن مرضها دفعها لترك العمل مؤخرا، وهو ما عبرت عنه قائلة: "الدم ما بيوصلش لصوابع رجلي فقعدت في البيت الفترة دي لأني تعبت".

 

 

عن ظروف السكن في عزبة الصفيح وما تسببه لها من ضيق نفسي، تقول عبلة: "اللي بيتعب هنا بيتعب نفسيا، الشارع فيه اللي بيبيع حشيش وبودرة، والحكومة 24 ساعة رايحة جاية".

 

وتضيف: "عزبة الصفيح معرضة دايما للتفتيش من الحكومة، وفي نفس الوقت هي عرضة لبائعي المخدرات اللي بيقفروا على سطح الغرف هربا من الداخلية".

 

وتتابع عبلة: "ساعات كنت برجع من شغلي 10 بالليل ألاقي مخبرين في داخلة البيت بيزغدوني، ولما أقول لهم إني ساكنة هنا يدخلوا يبهدلوا الأوضة".

 

 

الشارع يتحول ليلا إلى مقر لبائعي المخدرات، والغرف مغلقة تماما، لا يوجد بها أي نافذة للتهوية، إلى جانب كونها مليئة بالرطوبة، وهو أحد أسباب الحالة النفسية السيئة للأهالي هناك، وعن ذلك تقول عبله: "لا شمس ولا هوا.. أنا تعبت من الكمكمة والرطوبة".

 

اشتراك الجميع في"دورة مياه واحدة" خارج الغرف يمثل مأساة، خاصة في الليل، حيث يلجأ الأهالي إلى استخدام"الجردل" لقضاء حاجاتهم، ومن ثم يقومون بإفراغها في الصباح.
 

لا تستطيع عبلة وغيرها من سكان العزبة المخاطرة بالذهاب ليلا إلى الحمام المشترك، وعن ذلك تقول: "مانقدرش.. ممكن نلاقي فيه حد".

 

 

حاولت أسرة عبلة الانتقال من غرفة العزبة إلى شقة في نفس المنطقة، إلا أن قيمة الإيجار (600 جنيه) حالت دون ذلك، ما دفعهم لتأجير غرفة أخرى في ذات العزبة نظير  200 جنيه لصاحب الأرض دون عقود.

 

تقول عبلة: "إحنا موضبين الأوضة بالعافية ومدخلين ميه من ورا صاحب البيت اللي كان جابرنا على ملي المية بالخرطوم من بيت جنبنا، ودلوقتي كلنا فرحانين علشان دخلت لنا المية".

 

وتشير إلى أن سكان عزبة الصفيح لجؤوا كثيرا لمسؤولي الحي، إلا أنهم لم يعيروهم أي اهتمام، موضحة أن كل ما تتمناه هو أن تجتمع مع والداتها وأخوتها في منزل واحد، وأن تشيد لهم المحافظة منازل آدمية بدلاً من تلك الغرف الضيقة، معلقة: "أختي بتنام عند الجيران من كتر ما المكان ضيق".

 

 

وكحال عبلة، يعيش محمود السيد (31 سنة) في عزبة الصفيح منذ 48 عاما، موضحًا أنهم يعانون طوال هذه الفترة من عدم وجود خدمات، حيث يحملون المياه في "صفائح"، ويتحملون ما يلقى عليهم من المباني المجاورة من"قمامة".

 

لا يعول محمود كثيرا على مسئولي الحي والمحافظة، قائلا: "كل شوية حد ييجي يشوفنا ويقول حنحل ولا حد بيسأل، احنا عورة".
 

يقول إنه يعمل "على باب الله"، حيث يبحث عن الرزق في أي عمل، فما بين حمال للرمال، أو للقمامة، أو غسال للسجاد يكسب ما لا يكاد يكفيه قوت يومه وزوجته الحامل، حيث يدفع إيجار للغرفة (30 جنيها).

 

 

فاتورة الكهرباء تمثل عبئا كبيرا على أهالي العزبة، حيث يلتزمون بدفعها وتركيب العدادات بالغرف، وهو الحضور الوحيد تقريبا للحكومة هناك.

 

يشير محمود إلى تكدس الأسرة الواحدة بأفرادها الـ6 في غرفة ضيقة، مع عدم وجود وسيلة للتهوية، قائلا: "احنا لو مش بننضف الدود حياكلنا، كتر خير البني آدمين إنها عايشة".

 

ويؤكد محمود أنه لا ينتظر إحسانا من أحد، وأنه على استعداد للمشاركة بدفع ما يطلب منه، مقابل أن هدم هذه الغرف وإنشاء منزل آدمي له، قائلا: "ماعندناش مشكلة ندفع بالقسط بس يعملولنا عيشة حلوة".

 

وعلى سطح واحدة من الغرف، تسكن الحاجة عزيزة (55 سنة) في غرفة صغيرة، تبطن سقفها بالـ"مشمع" لحماية للغرفة من مياه الشتاء، وهي معاناة كبرى لكل السكان.

 

تشير الحاجة عزيزة إلى خروجها من المستشفى قبل لحظات من وصولنا إلى المكان، وذلك بسبب ما تعانيه من أزمة صدرية.
 

تعتمد في حياتها اليومية على المياه التي تسحبها من عقار مجاور، قائلة: "ركبوا مياه لنفسهم وماركبوليش علشان كنت في المستشفى".

 

كل ما تحصله الحاجة عزيزة من الدنيا 600 جنيه فقط شهريا، وهي قيمة المعاش الخاص بوالدتها، تدفع منها 20 جنيها كإيجار، ومثلها للكهرباء، ولا تطمح سوى في غرفة "بمنافعها" تعيش فيها ما تبقى لها من عمر.

 

 

ورغم ما رصدنا من الأهالي وكشفته الصور، إلا أن اللواء أحمد أبو طالب، رئيس حي الجمرك، يرفض وصف هذه المنطقة بالعشوائية، قائلا: "دي منطقة محترمة جدا".

 

وعندما عرضنا عليه مطالب الأهالي قال: "طلبوا منكم ليه؟ اشمعنى انتم؟ ما في رئيس حي موجود واقف ليل ونهار قدام الحي".

 

وأضاف أنه سيتوجه اليوم للمكان ويصوره ويخبرنا بما سيقوم بفعله بعد ذلك، قائلا: "أنا بزعل لما حد ياخد دوري.. أنا المسئول".

 

 

اقرأ أيضا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان