رئيس التحرير: عادل صبري 04:23 صباحاً | الثلاثاء 21 يناير 2020 م | 25 جمادى الأولى 1441 هـ | الـقـاهـره °

ما هي أهمية المنطقة العربية لأمريكا وكيف تعاملت معها؟

الاستراتيجيات الدولية والأقليمية للتعامل مع ثورات الربيع العربي (1)

ما هي أهمية المنطقة العربية لأمريكا وكيف تعاملت معها؟

عصمت الصاوي 24 مارس 2015 20:51

مقدمة

 


لا يمكن للعقل السياسى السوى أن يتفكر فى مسارات الأحداث بعد ثورات الربيع العربى بشكل جزئى يفصل بين ما يجرى في بلد ما، وسياقات الأحداث الأخرى في الأقليم والمنطقة بشكل عام فلا يُمكنه أن يتعاطى مع الحالة المصرية مثلاً بمعزل عن حلقات الأستهداف في دوائر جُغرافية أُخرى في إطار مخطط كلى تتوزع أدواره بشكل منظم من أجل إعادة صياغة الواقع السياسي وربما الجُغرافى في المنطقة ككل.

وهذه الورقة - التي تنشر علي ثلاث حلقات - تعتنى بشكل أساسي بمدى التأثيرات الدولية والأقليمية على ثورات الربيع العربى، وهذا لا يعني أنه ليس هُناك تأثيرات داخلية ومحلية جبارة أثرت على الثورات، وغيرت مسارها بشكل حاد سواء كانت هذه التأثيرات من خلال الثورة المضادة والدولة العميقة وبقايا النُظُم السابقة أو كانت تأثيرات سلبية من الثوار أنفسهم.

 


ومهما كانت العوامل الداخلية ودوافعها التي أثرت بصورة أو بأخرى على مُجريات الأحداث فإن تناول هذه العوامل فى هذه الدراسة سيكون بصورة ثانوية.

لماذا الإهتمام العالمى بالشرق الأوسط، وشمال افريقيا


تمثل منطقة الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا منطقة ذات إمتيازات خاصة منها :-


الإمتيازات الأقتصادية


وتنبع الأهمية الاقتصادية في المنطقة بسبب وجود البترول إذ يُمثل حوالي 84 % من إحتياطى النفط العالمى وينتج الشرق الأوسط وحده ثُلث الإنتاج العالمى، ويُعتبر هو المُزود الرئيسى لأمريكا وأوربا وروسيا واليابان كما تُعتبر المنطقة سوقاً  رائجاً للسلاح الغربي.

الإمتيازات الإستراتيجية


للشرق الأوسط أهمية استراتيجية كبيرة  نظراً للموقع الجغرافى فهو بمثابة الجسر بين قارات العالم مع إطلاله على المضايق في البحر المتوسط والبحر الأحمر والخليج العربى.


 الإمتيازات العسكرية بما يُحقق وجود قواعد عسكرية في مواقع هامه من العالم ويقرب الولايات المتحده من دائرة صنع الأحداث بما يحقق الهيمنة العسكرية علي المنطقة.

 

حقائق لا يُمكن تجاهُلها أمام التدخل الغربي في العالم العربي

 

هناك جملة من الحقائق لابد من الإشارة إليها عند الحديث عن التدخلات الغربية في العالم العربي  ومنها: 


الحقيقة الأولى "البترول العربى شُريان الحياه للعالم الغربي"

فلا يُمكن أن نتجاهل مُطلقاً حقيقة مفادها أن البترول هو العامل الأساسى في إبقاء حركة الاحتلال والاضطهاد وإشعال الحروب في منطقة الشرق الأوسط ومن هُنا نفهم النوازع الأساسية في أطماع الدول الغربية للسيطرة على المنطقة بأى طريقة للحفاظ على مصالحهم التى تعتمد بشكل مباشر على النفط العربى رخيص الثمن مع ما يمثله هذا النفط من أهمية بالغة في إستمرار ديمومة الحياه من جهة واستمرار قياداتها للمنظومة العالمية من جهة أخرى وعليه فقد بات مبدأ السيطرة على الدول المُنتجة هدفاً أساسياً للدول الغريبة بصفة عامة وأمريكا بصفة خاصة بعدما عجزت الشركات الأمريكية والأوروبية عن إيجاد بديل عن النفط الخليجى من خلال التنقيب في إفريقيا وأمريكا اللاتينية كما عجزت المؤسسات العلمية عن إيجاد بديل عن البترول لتوفير الطاقة بسعر مناسب.


هذا إذا وضعنا في الإعتبار أن إحتياطى البترول العالمى لمنطقة الخليج فقط فى 2010 بلغ 9,84% من الإحتياطى العالمى وإحتياطى الغاز الطبيعى فى قطر فقط بلغ فى 2010  6,45 % من إجمالى الإحتياطى العالمى وهذه النسب تقودنا إلى إستنتاج مفادهُ أن بترول المنطقة العربية سيُشكل عصب الحياة العالمى خلال المرحلة القادمة قياساً بالإحتياطى الأمريكى والأوروبى التي تُشير الدلائل إلى إنخفاضه ، فقد وصل الإحتياطى الأمريكى إلى 3% مع بداية عام 1990 وينخفض بنسبة 3, 0% كُل عام، وهذا يعني أن الإحتياطى الأمريكى بعد عشر سنوات سيُصبح صفراً حال السحب منه واستخدامه.


وهذا ما دفع صانع القرار الأمريكى لوقف إنتاج البترول من الآبار الأمريكية بحجة الكلفة العالية.


وبالتالى فإن السيطرة على منطقة الخليج العربى بات أمراً حتمياً للولايات المتحدة وحلفائها.

الولايات المتحدة تغير سياساتها الإستراتيجية


في بداية الخمسينات من القرن الماضى بدأت الولايات المتحدة التفكير الجدى في السيطرة على منطقة الشرق الأوسط لضمان السيطرة على إقتصاديات العالم فأنشأت فى عام 1965 قواعد عسكرية مُصغرة فى المملكة العربية السعودية لحماية مُنشآتها النفطية.


وفي عام 1967 نادى رئيس الوزراء العراقى "طاهر يحيى" بضرورة استعمال البترول كسلاح لإيقاف الدعم الغربى لإسرائيل وإجبارها على الانسحاب من الاراضى المحتلة وفى عام 1973 زادت صيحات الشارع العربى بإيقاف تدفق البترول العربى، والسيطرة على أسعاره بصورة كاملة.


كانت هذه التطورات بمثابة الدافع الأمريكى والأوروبى لتغيير السياسات تجاه منطقة الخليج العربى .


فبدلاً من حماية الأنظمة واحتوائها لضمان تدفق البترول انتقلت إلى خطة أكثر خطورة تتمثل فى بناء خطوط عسكرية فى بلدان التدفق لتحمى مصالحها بنفسها مع الحفاظ على ولاء الأنظمة القائمة وهو ما دفعها الى التوسع فى بناء القواعد العسكرية فى منطقة الشرق الأوسط مع المهمات الأخرى لهذه القواعد على المستوى الأمنى والعسكرى.



الشرق الأوسط من "جيرالد فورد إلى باراك أوباما" إستراتيجية واحدة


جيرالد فورد (1974 – 1977)


فى عام 1976 كلف الرئيس الأمريكى "فورد" وحكومته مؤسسة "أمريكان إنتربرايز" بدراسة الأفكار التى تهدد منطقة الخليج والمملكة العربية السعودية وخرجت الدراسة بعدة مخاطر وتوصيات على رأسها :-

- التخوف من إبتلاع شاة إيران للدول الخليجية الصغيرة وإقامة تحالفات مع دول المنطقة مما يصعُب السيطرة عليها مُستقبلاً وأوصت بضرورة تغييره واستبداله.

 

- العراق تمثل خطراً حقيقياً علي أمن الخليج وأوصت بالعمل علي إبطاء التطور وخاصةً في الجانب التعليمي.

 

- اليمن منطقة ستسبب مشكلات للمملكة وأوصت بزعزعة الإستقرار فيها وعدم تمكينها من منطقة عسير البترولية حتى لا تتمكن من الإستقرار الإقتصادى.



وعلى ضوء هذه الدراسة أقدم فورد على تطوير القواعد الأمريكية فى المحيط الهندى ليضمن الوصول إلى أبعد نقطة فى الخليج خلال 48 ساعة .



الرئيس كارتر (1977 – 1981)


عمل على تطوير مشروعات فورد المتعلقة بتطوير القواعد العسكرية فى منطقة الخليج، وأصدر قراراً بتشكيل قوة للتدخل السريع جاء فى قرار تشكيلها، "وهى قوة عسكرية الغرض منها إستخدام تلك القوات كمظلة أمنية فوق الخليج العربى" .


وفي مارس 1977 كلفت إدارة كارتر "مؤسسة راند" الأمريكية بوضع دراسة خاصة تتضمن كيفية معالجة الثورات المضادة في الخليج العربى.


وأنتهت الدراسة فى نوفمبر عام 1977 تحت عنوان "حلول السيطرة على الثورات المضادة لمنطقة الخليج" .



الرئيس ريجان (1981 – 1989)


بمجرد أن باشر مهامه بدأ العمل بجدية لتطوير مشروع قوات الإنتشار السريع ولوح بإستخدام القوة النووية للسيطرة على منابع البترول ودعم قواعده العسكرية بحاملتى طائرات هجومية و14 غواصة و143 سفينة و900 طائرة مقاتلة وتضاعفت قوة الإنتشار السريع من ثلاث فرق إلى خمسة والتدريب على نشر 180 ألف جندى خلال 21 يوم فى أى معركة مفاجئة هناك.


واشترك مع الجيش المصرى فى مناورات النجم الساطع للتدريب على القتال فى الصحراء المصرية التي تُحاكى الصحراء السعودية.

بوش الأب (1989 – 1993)


قاد الحرب الأمريكية فى العراق تحت غطاء الأمم المتحدة على أثر إحتلال العراق للكويت وأعلن من خلال الأمم المتحدة حصار العراق بدء من 6 أغسطس 1990، واستطاع أن يُحقق العديد من الأهداف منها :


1- منع العراق من السيطرة على منابع البترول.


2- تعزيز الزعامة الأمريكية على العالم بعد إنهيار الإتحاد السوفيتى، وسقوط جدار برلين.


3- تعزيز الأمن الإسرائيلى.


4- القضاء على القوة العسكرية العراقية.

كلينتون (1993 – 2001)

 

استمر كلينتون في حصار العراق  حصارا قاسيا لمدة تجاوزت رئاسته - ثلاثة عشر عاما -  تخللها شن سلسلة من الهجمات الجوية على مناطق حيوية بحجة عدم امتثال العراق لقرارات مجلس الأمن  من أجل تدمير قدرات الجيش العراقي، فضلا عن فرض منطقتي حظر الطيران في جنوب وشمال العراق.


بوش الأبن (2001 – 2009)

 

خاض بوش الإبن الحرب في  أفغانستان بمعاونة بريطانيا ضد القاعدة وطالبان بعد أحداث 11 سبتمبر، واستكمل حصار العراق وسعي لحشد التأييد الدولي لغزوها عام 2003 واستجاب رئيس وزراء بريطانيا توني بلير فقط و دعمه في شن الحرب الثالثة علي العراق بمزاعم مكافحة الإرهاب وامتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل والتي أثبتت الوقائع بطلانها وعدم صحتها.


باراك أوباما (2009 – 2017)

 

استطاع أوباما تشكيل تحالف دولي من " 40 دولة " ضد داعش في العراق وسوريا حيث أعلن مؤخرا إستراتيجية من أربعة بنود لمواجهة "إرهاب داعش" كما يدعي، أولها تنفيذ غارات جوية ضد عناصر التنظيم أينما كانوا، وثانيها زيادة الدعم للقوات البرية التي تُقاتل داعش والمتمثلة في القوات الكردية والعراقية والمعارضة السورية المعتدلة، وثالثها منع مصادر تمويل التنظيم، ورابعها تغيير المنطلقات الفكرية التي تقف وراء نشأة التنظيمات الجهادية.


 

الحقيقة الثانية .. الغرب يسعى دائماً لإجهاض الثورات فى الشرق الأوسط


 إيران نموذجاً


فى عام 1951 قاد الدكتور "محمد مصدق" ثورة حقيقية ضد شاه إيران وهو على رأس الجبهة الوطنية التى كان من بين أهدافها تأميم النفط الإيرانى واستقلال القرار الوطنى بعيداً عن هيمنة بريطانيا وأمريكا.
وتم بالفعل إنتخابه رئيساً للوزراء عام 1951 وبعد يومين من انتخابه بدء فى تنفيذ برنامجه الداعى إلى تأميم النفط الأمر الذى دفع الأمريكان والإنجليز والطبقة المالكة إلى التآمر عليه والعمل على إسقاطه من خلال خطط واضحة منها :

- الحصار الإقتصادى : فلجأت بريطانيا إلى فرض حصار دولى على النفط الإيرانى بدعوى أن حكومة مصدق انتهكت حقوقها البترولية ومن ثم أسفر هذا الحصار عن  تردى الأوضاع الإقتصادية الداخلية تمهيداً لتعبئة الشارع ضده.

 
- اللجوء إلى المحاكم الدولية : فقد ادعت بريطانيا على مصدق أمام محكمة العدل الدولية بزعم انتهاك حقوقها.

- زعزعة الإستقرار الداخلى : حيث أوفدت الولايات المتحدة إلى طهران اثنين من أمهر رجال المخابرات لزعزعة الداخل وإسقاط مصدق من خلال عملية مخابراتية أطلق عليها "العملية أجاكس" أو إنقلاب 28 مرداد".

- تشويه صورة مصدق : فلجأت إلي تشويه صورة مصدق فى الداخل والخارج من خلال الأبواق الإعلامية .


- تجنيد البلطجية : وعلي رأسهم  "شعبان جعفرى"، الذي تم تكليفه بالإستيلاء على الشوارع الرئيسية والتجمهر فى الشوارع وإشاعة الخوف وإسقاط هيبه مصدق من خلال الهتافات الرخيصة .

- اغتيال الشخصيات الوطنية : إذ لقى أكثر من 300 شخص مصرعهم في الشوارع.


- التواطؤ مع بعض قادة الجيش : مما أدي إلي قصف منزل مصدق بقيادة الجنرال فضل الله زاهدى.

 

- إتهام المؤيدين لمصدق بالعنف والتدمير.

وبعد عامين من مقاومة الدكتور مصدق وحكومته نجحت الثورة المضادة وتم إلقاء القبض عليه وحكم عليه بالإعدام . وتم تقديم الديكتاتور الحقيقى "الشاه" كحاكم للشعب والذى قام بدوره بتخفيف الحكم عن مصدق مع تحديد إقامته .



الحقيقة الثالثة.. الغرب لديه كتالوج جاهز لإجهاض الثورات

عكف الباحثون الغربيون على دراسة ثورات العالم وخاصةً في أوربا وأمريكا اللاتينية والثورة الإيرانية ومنهم من تابع أجيال الثورات ورصد مؤشراتها وخبراتها حتى أصبح علماً يتم تدريسه. ويعتبر منظرو الثورات أن تصفيتها وإجهاضها يتم من خلال مجموعة من العوامل على رأسها .


- تدهور الوضع الإقتصادى عبر شل حركة الإنتاج وإغلاق الطرق وإشاعة حالة من الترويع لهروب رؤوس الاموال وإغلاق المصانع وزيادة عدد العاطلين .

- ضرب السياحة القادرة على إنعاش الإقتصاد بصورة فورية بما تحققه من عائد سريع يؤثر إيجابياً على قطاعات كبيرة فى المجتمع.

- نشر الفوضى، وتشجيع الإضرابات والإعتصامات.


- إستثمار المنابر الإعلامية لتشويه الحاضر والتشكيك في المستقبل وتشويه القيادات ورفع منسوب الجرأة عليهم .

- تشجيع العصيان المدنى والسعى إلى توسيع مكانه.


- إثارة النعرات الطائفية والعداوات العرقية بما يؤدى إلى تفتيت المجتمع وتغييب فكرة الإجماع الوطنى.


- توفير الغطاء السياسى للعنف لإتاحة الفرصة لإتساع دائرته مع ترهيب الأجهزة الأمنية من مقاومته.

- تعميق الإستقطاب السياسى ووضع العراقيل أمام التوافق.


- كسر هيبة الدولة ورفع منسوب التطاول والإجتراء عليها .


- الوقيعة بين مؤسسات الدولة "العسكرية والأمنية " ليصبح الإحتكام للسلاح أحد البدائل المطروحة لحسم الخلاف.

- خلق فراغات سياسية وإفشال مخططات إقامة البدائل.

وسنتعرض في الجزء المقبل لكيف كان حال المنطقة العربية قبل الربيع العربي" target="_blank">ثورات الربيع العربي وسيناريوهات هذه الثورات.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان