رئيس التحرير: عادل صبري 04:30 مساءً | الثلاثاء 07 يوليو 2020 م | 16 ذو القعدة 1441 هـ | الـقـاهـره °

بالفيديو..المعتقلون المفرج عنهم: الإعلام شوهنا وقت القبض علينا وأهملنا في البراءة

بالفيديو..المعتقلون المفرج عنهم: الإعلام شوهنا وقت القبض علينا وأهملنا في البراءة

تحقيقات

القبض على أحد متهمي كرداسة - أرشيفية

بعد عام على الأحداث.. ما زال البحث عن القصاص العادل..

بالفيديو..المعتقلون المفرج عنهم: الإعلام شوهنا وقت القبض علينا وأهملنا في البراءة

تهم ما زالت تبحث عن جان من كرداسة وياما بالحبس مظاليم

أحلام حسنين _ آية فتحي 16 أكتوبر 2014 21:34

في منزل بسيط بأحد شوارع القرية، تقطن البائعة المتجولة ذات الـ23 عامًا، في كل صباح تخرج ببضاعتها للأسواق لتعود بما قسم الله لها من رزق، لتنفق منه على أسرتها، وذات يوم عرض عليها شخص ما أن تشتري هاتفا محمولا بثمنٍ بخس، فقبلت العرض واقتنت الهاتف الذي أودى بها إلى الحبس.

فما لبثت إلا أيامًا قليلة، حتى داهمت الشرطة منزلها، وقيدت يديها بالكلبشات، لتحاصرها الكاميرات فانتشرت صورتها على صفحات الجرائد وشاشات التلفاز، تحت عنوان "المتهمة بإلقاء ماء النار على ضباط القسم بمذبحة كرداسة".

وبعد أيام حصلت البائعة على البراءة، فحسن النية الذي دفعها لشراء الهاتف وقادها إلى الحبس، كان سببًا أيضًا لإخلاء سبيلها، حسبما أكدت تحريات جهاز الأمن الوطني والمباحث العامة، والتي برأتها من صب العذاب فوق جثامين الضباط، وأثبتت أنها لم تكن تعلم أن الهاتف مسروق، وخاص بالشهيد اللواء مصطفى الخطيب، الذي قتل في مذبحة كرداسة.

ورغم إخلاء السبيل إلا أن إحدى الصحف نشرت خبرًا في اليوم التالي لقرار النيابة بإطلاق سراحها، يقول إن "المتهمة"، اعترفت أثناء التحقيق بأنها ألقت ماء نار حارقة على جثث الضباط عقب المجزرة، وأنها ليست نادمة على فعل ذلك، انتقامًا منهم على فض رابعة والنهضة، وبين التهمة والبراءة، أين البائعة الآن بعد مرور عام على تلك الأحداث؟

إنها "عزة عبد الجواد الزيني"، ذهبنا إليها بعد عام من إخلاء سبيلها، لنعلم تفاصيل القبض عليها والإفراج عنها، وهل كانت تنتمي لأي من التيارات الإسلامية أو تؤيد جماعة الإخوان، وهل حصلت على أي رد اعتبار لكرامتها بعد براءتها؟ وعندما وصلنا لمنزلها الذي يبعد مئات الأمتار عن قسم كرداسة، وجدنا الباب مفتوحًا وبالداخل تجلس والدة "عزة" المسنة، وفي رقبتها سلسلة عليها صورة الرئيس عبد الفتاح السيسي.

عزة وهي تخبئ وجهها من التصوير أثناء القبض عليها

أذنت لنا والدة "عزة" بالدخول، ولسانها لم يتوقف عن الترحيب بنا، لتختلط معها صيحات "عزة " وهي تتنكر عن نفسها وتتدعي أنها "منى" شقيقتها، وأن تلك التي نسأل عنها ذهبت للعتبة لشراء بعض لوازم المنزل، وبنبرات حادة يعلوها الغضب والهيجان، قال:ت "عاوزين إيه؟ انتو مين ومين اللي باعتكو؟ خلاص الموضوع اتقفل وراح لحاله، وعزة خرجت براءة، سيبونا في حالنا، الإعلام ده هو اللي شوه صورتنا".

حاولت الأم تهدئة روع ابنتها "عزة" ولكنها لم تفلح، فأخبرناها أننا نعلم بأنها عزة التي نبحث عنها، وأننا لم نجئ لنضرها بشيء، ولكن لنعلم منها الحقيقة فقط، فاكتفت بقولها: "دي بلد .. كلها مرشدين، ربنا يخرجنا منها، ربنا عالم إني مظلومة وأديني خرجت أهو ومش عاوزة افتح الموضوع ده تاني".

التقطت الأم طرف الحديث وهي تشير بأصابعها إلى صورة الرئيس المعلقة برقبتها، وقالت: "يا بنتي إحنا ناس غلابة وعلى قد حالنا لا لينا في دول ولا دول، وعلشان إحنا جهلة الراجل ضحك علينا وحصلنا كل ده، ومش عاوزين أذية تاني".

إذا كان هذا هو حال "عزة" بعد عام من مذبحة كرداسة التي استشهد فيها 11ضابطًا ومجندًا، نالت منهم يد الغدر الآثمة، فكيف بحال غيرها من المتهمين سواء من لا يزالون خلف القضبان، أم من هم الآن أحرار طلقاء؟ وهل من بين المحبوسين مظاليم؟
 

في كل بيت معتقل

أثناء طريقنا للوصول لأهالي المتهمين على ذمة القضية ومن تم إخلاء سبيلهم، ترددت على مسامعنا كثيرًا كلمات "في كل بيت هتلاقي واحد متاخد"، فأخذنا "توك توك"، من أمام القسم إلى داخل القرية، وهناك سألنا على منزل "عادل السني"، فهو واحد ممن تم إطلاق سراحهم بعد 5 شهور من الحبس، وقبل أن ندخل منزل "السني"، أخبرنا الأهالي أن بالجوار منزلاً آخر به شخص كان متهمًا بأحداث كرداسة.

إنه منزل حسن محمد حسن، ذو الـ57 عامًا، مريض بالسكر، في أواخر شهر أكتوبر من العام الماضي، هاجمت قوات الشرطة منزله، حينها كان يتناول الإفطار مع أسرته، ومن بين أولاده وأحفاده، أخذته الشرطة إلى الكيلو 10 ونصف، ومنه إلى سجن وادي النطرون، وهناك أخبره وكيل النيابة أنه متهم بأحداث كرداسة، بحمل سلاح غير مرخص، ومقاومة السلطات وإلقاء مولوتوف على قوات الجيش، الصدمة التي انتابت "حسن"، جعلته يجيب على كل الأسئلة بـ"أنا عملت كل ده"؟

وبعد 5 أشهر قضاها في الحبس، خرج "الحاج حسن"، بإخلاء سبيل بعد أن تحولت كل التهم في النهاية إلى "كسر حظر التجول"، فتساءل حسن: "كسر حظر إزاي وأنتوا واخدني من البيت"؟ ولم يجب عليه أحد.

الحاج حسن يقول إنه لم يكن ينتمي يومًا لأي تيار سواء دينيًا أو سياسيًا، فما هو إلا سائق يسعى على رزقه وقوت أسرته، ورغم تجربته المريرة في الحبس، فإن أكثر ما يؤلمه أنه سار على صفحات الجرائد متهمًا، ولم يتحدث أحد عن براءته ورد كرامته.

"ياما في الحبس مظاليم"، مقولة يراها "حسن" خير ما توصف بها حالة بعض المساجين المتهمين بأحداث كرداسة، ويروي أن أحد المتهمين يدعى "محمد باوه" متهم بحمل آر بي جى، رغم أنه مصاب بالشلل في ذراعه، وآخر يدعى "الحاج محمود الروبي"، تجاوز الـ76 عامًا، وتم القبض عليه أثناء وجوده بـ"الغيط"، مختتمًا حديثه قائلًا: "كرداسة اتهانت وأخدوا عاطل في باطل".

 

أنا مقبوض عليا ليه؟

وبينما نتحدث لـ"الحاج حسن"، دخل "عادل السني"، وجلس بجواره ليروي لنا ما حدث معه، قائلًا: "وقت حادثة القسم أنا كنت في البيت، وبعد ما صليت العصر خرجت أشوف الدنيا فيها إيه، علشان فيه عميد بشرطة الآثار اسمه "صلاح سلامة"، ابني شغال عنده سواق، طلب مني أشوف الظابط محمد فاروق عايش ولا لا، فظهرت في الفيديوهات".

أثناء اقتياد الشرطة لـ"السني" إلى السجن أغمت عينيه، وهناك سأله ظابط الأمن الوطني: "انت جاي ليه يا سني"؟ فأجابه: "المفروض إني أنا اللي أسال أنا جاي ليه"، وفي النهاية علم "السني" أنه متهم بالمشاركة في أحداث كرداسة، وتحت ضغط وإهانة اعترف "السني" بما لا يفعله: "أه أنا اللي حرقت القسم وقتلت الظباط"، ذلك بحسب رواية "السني".

"السني" لم ينكر تأييده للرئيس المعزول محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين، ويقول إنه ذهب كثيرًا لاعتصامي رابعة والنهضة لما فيهما من روحانيات، ولكن معاناته من مرض الكبد تجعله يعزف عن المشاركة بالمسيرات لخطورة الغاز المسيل للدموع عليه، ورغم ذلك، إلا أن "السني" يؤكد أنه كانت تربطه علاقة ودية مع كثير من رجال الشرطة، وبخاصة اللواء مصطفى الخطيب، ومأمور القسم ورئيس المباحث.

تهم تبحث عن جان من كرداسة

الشيخ عبد الرحيم السيد الشامي، ذلك الرجل الذي تجاوز الـ75 عامًا، وقضى سنوات طويلة في التدريس بالأزهر، وذهب لألمانيا لإلقاء دروس دينية وإقامة صلاة التراويح، ثم عمل بالدعوة وإمامًا وخطيبًا لأحد المساجد بكرداسة، انتهى به المطاف إلى سجن وادي النطرون، بتهمة "المشاركة بحرق الكنيسة بكرداسة".

ففي الخامس من شهر مارس من العام الجاري، جاءت الشرطة لمنزل الشيخ وطالبته بالذهاب معهم للقسم، ثم اصطحبته لسجن وادي النطرون، دون أن يتوجه إليه أحد من الشرطة بالإهانة أو يمسه بسوء قط، فهكذا أقسم "الشيخ"، وهناك مكث 7 شهور، قضاها بين قراءة القرآن والذكر والصيام، ثقته بالله في براءته جعلته لم يشعر بمرارة الحبس، فيصف أيامه هناك بـ"المتعة لولا أنه في النهاية اسمه سجن".

يوم أن وقعت حادثة الكنيسة، كان الشيخ "عبد الرحيم"، خارج كرداسة، حسبما ذكر، ويقول: "أنا سني ميسمحش إني أشترك مع شوية شباب رعاع وأسرق وأحرق"، فثمة علاقة طيبة بين "الشيخ" والأقباط بكرداسة، فكثيرًا ما استعانوا به للصلح بينهما، وما إن ألقت الشرطة القبض عليه، هرعوا إلى الشهر العقاري ليوثقوا شهادتهم بأن "الشيخ" بريء من حرق الكنيسة كبراءة الذئب من دم بن يعقوب.

لم تتوقف مساندة الأقباط "للشيخ"، عند ذلك بل ذهبوا للقاضي، وعلى رأسهم راعي وخادم الكنيسة، وأقسموا أنهم لم يروه أثناء الواقعة، بحسب رواية "الشيخ"، ليدين لهما - راعي وخادم الكنيسة - بالفضل في إخلاء سبيله.

 

ياما في الحبس مظاليم

188 متهمًا في أحداث كرداسة، لا يزالون خلف القضبان منتظرين الحكم، منهم "الحاج علي محمود السيد" ونجله "محمود"، ذهبنا لأهله حيث يسكن بالشارع السياحي بكرداسة، وقابلنا أخاه "الحاج حمدي السيد"، والذي أخبرنا بتفاصيل القبض على شقيقه ونجله، قائلًا: "التهمة إن أخويا وابنه رفضوا يخبوا ظابط و5 عساكر في البيت وقت مذبحة القسم، رغم إننا لا شوفنا الظابط ولا العساكر من الأساس".

منزل "الحاج علي" الذي تجاوز عامه الـ70، يبعد عن القسم بحوالي 500 متر، ويمتلك بنزينة بكرداسة، كثيرًا ما كان يتصل به ضباط المركز في منتصف الليل لتفويل سياراتهم الخاصة أو سيارات الترحيلات وسيارات تموين العساكر، لذا تربطه علاقة قوية بكل الضباط والعساكر بالقسم، بحسب رواية شقيقه.

محمود علي السيد

"إزاي راجل عنده 70 سنة وعنده الغضروف يقدر يزق الظابط ويوقعه هو و5 عساكر على السلم، ويروح يسلمهم لمقتحمي المركز؟ وإزاي الظابط بيقول إنه كان مصاب بطلق ناري في رجله وقدر يمشي 500 متر لحد بيت الحاج علي ويطلع للدور الخامس"؟ تساؤلات طرحها "الحاج حمدي"، كدليل على براءة أخيه، متمنيًا أن ينظر القاضي بعين الرأفة لكبر سن "الحاج علي"، ويخلي سبيله، مختتمًا حديثه قائلًا: "كرداسة بريئة من دم الظباط، إحنا كنا بنخدم الداخلية قبل ما نخدم أي حد".

محمود سعيد السيد، شقيق "محمد"، أحد المتهمين بأحداث كرداسة، بينما نسأل على منزله قابلتنا واحدة من جيرانه، وبمجرد أن سألنا على "محمد" سارعت بالقول: "والله محمد ده غلبان ومؤدب ومحترم، عمره ما غلط في حد ولا زعل حد ولا عمل حاجة وحشة"، وعلى باب المنزل كانت هناك طفلة ذات خمس سنوات جميلة الوجه، تلعب ببراءة الأطفال مع شقيقها الذي لم يتجاوز عامه الأول وآخر نحو 3 أعوام، إنهما أطفال "محمد" .

يوم 23 من سبتمبر 2013، ألقت الشرطة القبض على "محمد"، أثناء عمله بورشة تبعد أمتارًا قليلة عن قسم كرداسة، يقول شقيقه إن "محمد" وقت الحادثة ذهب للورشة ليحميها من السرقة أو الحريق، لذا ظهر في الفيديوهات، ولكنه عندما رأى أحد أمناء الشرطة يحاول الفرار من المعتدين، فهرول إليه لينقذه وأخذه إلى جامع سلامة الشاعر ليهربه، ولكن أمين الشرطة لم يذهب ليدلي بشهادته التي ربما تبرئ من أنقذه من الهلاك، بحسب قول شقيق "محمد".

وفي منزل خر لأحد المتهمين يدعى "الشيخ علي القناوي"، 63 عامًا، التقينا بنجله الأصغر "صفوت"، والذي سرد لنا تفاصيل القبض على والده، قائلًا: "في 26 سبتمبر 2013، اقتحمت الشرطة منزلنا بعد الظهر، واتهمت أبويا بالمشاركة في مذبحة كرداسة، رغم إن كل اللي شافوا الحادثة أكدو إن اللي عمل كده ناس مش من كرداسة ولهجتهم غريبة وملثمين".

"الشيخ علي ربى أجيال في كرداسة، كانت الحكومة بتلجأ له في حل المشاكل العرفية"، هكذا يقول "صفوت" عن والده، مضيفًا: "أبويا ملوش أي أنتماء سياسي، كل ذنبه إنه بيصلح بين الناس في البلد، المقصود من اللي بيحصل إنهم يذلوا أهل كرداسة علشان كده أخذوا العلماء والأطباء والشيوخ".

 

3 قضايا تحاصر كرداسة

قضية "مذبحة كرداسة"، بدأت بالقبض على ما يزيد عن 300 متهم، تم استبعاد 97 متهمًا، وتوفي اثنان، أحدهما الدكتور محمد السيد الغزلاني والذي توفي داخل مستشفى سجن طرة، والثاني المتهم الرئيسي في القضية "محمد رشيدة"، وقتل أثناء تبادل إطلاق النار بينه وبين الشرطة، وما تبقى الآن في الحبس 188 متهمًا، موجه إليهم 18 تهمة، على رأسها اقتحام مركز شرطة كرداسة في أغسطس عام 2013، ما تسبب في قتل 11 ضابطًا من قوة القسم، والتمثيل بجثثهم، والشروع في قتل 10 أفراد آخرين، ولا تزال إجراءات المحاكمة مستمرة بعد مرور أكثر من عام على الأحداث.

وهناك قضية أخرى وهي مقتل اللواء نبيل فراج، مساعد مدير أمن الجيزة، وصدر فيها الحكم بالإعدام على 12 متهمًا من أهالي كرداسة، وهم محمد نصر الدين الغزﻻني، محمد عصام دياب وشهرته أبو حمزة، إبراهيم فتحى، محمود محمد السيد الغزلانى، أحمد محمد يوسف صالح، محمد سعيد فرج سعد، مصطفى حمزاوى حجازى، أحمد محمد الشاهد، شحات مصطفى محمد موسى، صهيب محمد نصر الدين الغزﻻني ، محمد عبدالسميع، صلاح فتحى حسن النحاس، والسجن المؤبد لـ10متهمين وبراءة متهم. 

كما ألقت أجهزة الأمن نهاية الشهر الماضي القبض على 13 متهمًا، مطلوب ضبطهم وإحضارهم لاتهامهم في قضايا عنف، وبينهم مطلوبون في قضايا حرق كنيسة الملاك ميخائيل، عقب فض اعتصامي رابعة والنهضة العام الماضي.

على الرغم من تلك التنديدات من الأهالي بمدى الظلم الواقع عليهم، نفى اللواء محمود فاروق, مدير الإدارة العامة لمباحث الجيزة، قائلًا:”مفيش حاجة اسمها ظلم للمقبوض عليهم، إحنا قبضنا عليهم بعد تحريات دقيقة بالتعاون مع الأمن الوطني، ومن لم يثبت تواجده أثناء الحادث أثبتت التحريات تمويله، ولن نقدر على ظلم أحد ﻷن ذلك سنحاسب عليه أمام الله".

وسط صرخات أهالي المعتقلين، وروايات المعتقلين المفرج عنهم، وتصريحات وزارة الداخلية، يبقى في النهاية ضرورة القصاص العادل الذي يجب أن يطبق على الجناة الحقيقيين وينصف المظلومين، حتى لا تتكرر المجزرة مرة أخرى.

اقرأ أيضًا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    اعلان