رئيس التحرير: عادل صبري 02:52 صباحاً | الخميس 06 أغسطس 2020 م | 16 ذو الحجة 1441 هـ | الـقـاهـره °

"أحمد صالح" من مسعف متطوع إلى ضحية

شهادة وفاته سبقت شهادته الجامعية

"أحمد صالح" من مسعف متطوع إلى ضحية

أصيب بطلق ناري في الرقبة نتج عنه تهتك فى النخاع الشوكي

أحمد بشارة 14 نوفمبر 2013 16:08

لم يمهله القدر يومين زيادة على عمره حتى ينتهي من مشروع تخرجه الجامعي، وجاءت أحداث محمد محمود لتمنحه شهادة التخرج من الحياة بطلق ناري فى الرقبة، نتج عنه تهتك فى النخاع الشوكي، فقط ﻻنه آثر إسعاف المصابين، إنه أحمد محمد صالح، 21 عامًا.

 

أكدت والدته أن الجميع كانوا يشهدون لأحمد بالشهامة والكرم والمرح وحب الآخرين وغيرته على أهل بيته.

 

بعيدًا عن السياسة

أسرة"أحمد" لم يكن لديها أى انتماءات سياسية، وكانوا يرفضون مشاركته فى أى فعالية منذ بداية ثورة يناير، نظرًا لتكونهم الأسري المأخوذ من الصعيد، ولكن "أحمد" لم يخبرهم قط عن مشاركته فى أى فعالية، كى لا يزيد قلقهم عليه.

وأكدت والدته أنه كان دائم الهدوء ولا يظهر عليه أى شكل من أشكال الغضب أو العنف، حتى بعد قيام الثورة لم يظهر عليه أنه كان يشارك فى التظاهرات، فضلا عن مشاركته باللجان الشعبية لحماية أسرته.

وثيقة السلمي

وتتابع والدة أحمد أنه فى يوم الخميس الموافق 17 نوفمبر 2011  أبلغها أحمد أنه سيخرج وزملاؤه لنصب المنصة بميدان التحرير، استعداداً لمليونية "وثيقة السلمي" التى دعا لها تيار الإسلام السياسي وحركة 6 إبريل، حتى رجع في الساعة الثامنة صباحاً على الرغم من أنها أكدت عليه عدم التأخير.

 نصب "أحمد" المنصة بميدان التحرير، استعداداً لمليونية الجمعة الموافقة18 نوفمبر 2011، إلا أنه لم يشارك بها، ظل معتكفاً فى منزله مشاهداً القنوات الإخبارية، وسط دهشة من والدته وحيرة شديدة.

قالت والدته، "أحمد من النوع كثير الحركة، ولا يفضل الجلوس فى مكان واحد، وفى ذلك اليوم أبلغتنى ابنتى أنه جالس فى هدوء ويشاهد التلفاز ولا يتحدث إلى أحد".

فى صباح يوم السبت الموافق 19 نوفمبر 2011 والمعروف بيوم مجزرة محمد محمود، استيقظ "أحمد" على شاشات التلفاز ومتابعة الأخبار، فى ذلك الوقت كان على غير طبيعته، وكان غاضباً إلى حد كبير .

وبعد خروج والده إلى العمل، ارتدى ملابسه، وخرج مسرعاً، وأبلغ والدته قائل: اً"مش معقولة، شايفة الدنيا والعة، والناس كلها فى التحرير ، لازم انزل مش هقعد"، ظلت والدته تناجيه وترجوه لعدم الذهاب، فرد عليها، قائلاً: "ماتخافيش، أنا راجع" .

إسعاف المصابين

ظل أحمد فى شوارع العاصمة ينقل ويسعف مصابين وشهداء، خلال تلك الفترة لم تستكن أسرته، وداوموا على متابعته هاتفياً .

مشهد القتل ودماء الشباب لم يغب عن أعين الأسرة، فقد ظلوا متابعين القنوات الفضائية، ومشاهدة قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية ورجال الشرطة العسكرية التابعة لقوات الجيش وهى تقوم بقتل وسحل الشهداء ورميهم فى القمامة على مسمع ومرأى من الجميع.

ظلت أسرته فى انتظاره مع متابعتهم للأحداث، حتى ساعة متأخرة من اليوم، لكن أحمد لم يعد إلى المنزل ولم يرد على هاتفه .

استيقظت والدته صباح يوم الأحد، تفقدت غرفته ولم تجده، انزعجت لغيابة، وخافت من إبلاغ والده وظلت صامتة، بعد فترة حضر أحمد ومعه أدوات الإسعاف، وجلس بعد ذلك ليشاهد التلفاز فى حضور والدته ووالده .

بدون مقدمات وخلال جلوسهم، أبلغ أحمد والدته وهو غضبان، أن ما يشاهدونه الآن كذب، فنظرت إليه والدته وبكت في صمت.

بينما تدخل والده ورد عليه قائلاً: "قولنا أنت الحقيقة"، فرد "أحمد"، "مش هقولك، انزل انت بنفسك وشوف" .

قلب الأم

ذهبت والدته إلى حجرته وأبلغته أنها خائفة عليه، فرد عليها، قائلاً: "انتي عاوزاها جنة ولا نار" فأجابته "ايه اللى انتى بتقوله دا؟"، فقال لها "طيب عوزيها جنة بقى"، واستغرق أحمد فى نومه بعد هذه المحادثة.

استيقظ"أحمد"، وارتدى ملابسه، وأبلغ والدته أنه سيرد ملابس صديقه "كريم" التي أخذها منه .

ذهب أحمد ولم يحضر، ووالدته مازالت فى انتظاره تنظر إلى ساعة حائطها مترقبة عودته مرة أخرى، فلم تحتمل الانتظار، وخرجت لتبحث عنه وتسأل أصدقاءه بالشارع عنه وعن مكانه.

وأضافت أنها قامت بالاتصال بوالده أكثر من مرة، حتى رد، وهنا أبلغته وبدون مقدمات أن أحمد قد مات، ولكنه رد عليها، قائل:اً "لا لم يمت، ولكن ساقه قد كسرت".

ورغم طمأنة الوالد إلا أن والدته كانت على يقين أن ولدها قد مات، ولكن لا يريدون إبلاغها.

وسط زحام شديد وأناس تبكى وآخرون يظهر على وجوههم القلق، حضرت أسرة أحمد إلى المستشفى، وجدوه طريح الفراش فى غرفة العناية المركزة منتظرًا رحمة ربه.

الأمر لم يقتصر على هذا بل عانت أسرته ليس فقط من المشهد ولكن أيضاً من المعاملة التى شهدوها هناك، والتي أكدت والدته أنها أقذر من أن توصف، وتابعت: "كانوا يعاملوننا بكل قسوة، حتى إنهم كانوا يرفضون ترتيب المكان بشكل دورى، فالعنبر الذي حجز فيه أحمد من أسوأ العنابر الموجودة، لدرجة أنهم أطلقوا عليه عنبر الموت".

تقرير الطب الشرعي

أكدت والدة أحمد أن عمر شقيقه من كان يتولى جميع الأمور القانونية حين ذاك، فرفض أن يخرج تقرير الطب الشرعى على سبب الوفاة هبوط فى الدورة الدموية كما كانوا ينوون، وأصر على تشريح الجثة في حضور وكيل النيابة، ثم كتابة التقرير بعدها.

رفضت الأم أي تلميح عن نيتهم التنازل عن حقوق ابنها مقابل المبالغ المالية التى عرضتها الحكومة عليها، قائلة "فلوس الدنيا متسواش دخلته عليا وكلامه معايا".

أحلام الشهيد

كان  لدى "الشهيد " أحلام لإنهاء دراسته، وتعويض أهله ويقول محمد صالح والد الشهيد: إن "أحمد" استشهد وهو فى الفرقة الرابعة فى أكاديمية المستقبل، وكان متخصصًا فى مجال الحاسب الآلي.

 

واستحضر والده موقف استدعاء الأكاديمية لـ"أحمد" قبل وفاته بيومين لإتمام مشروع التخرج الذى تأخر عليه، قائلا: "قبل وفاته بيومين جاءه استدعاء من الأكاديمية وطالبوه بالذهاب وإتمام مشروع تخرجه، ولكن القدر لم يمهله".

 

كان أحمد على الرغم من التزامه بدراسته، إلا أنه كان دائم التواجد مع زملائه الذين يشاركون فى التظاهرات.

 

فحسب والده كان يشارك فى التظاهرات منذ الخامس والعشرين من يناير، بحكم قربهم من ميدان التحرير، ولكن لم يكن يرغب فى إخبارهم حتى لا يبالغوا بقلقهم عليه.

 

ولم يتوقع الوالد أن الوضع السياسي سوف يتطور إلى الحد الذى يجعله لا يرى ابنه فى أحضانه مرة أخرى، قائلاً: إنه لم يتوقع عودة الداخلية بذلك الشكل الغريب بعد فترة كبيرة من الاختفاء التام من الشارع المصري، لإنهاء فعاليات مليونية وثيقة السلمي.

 

ويتابع حين حضر إلى المنزل ومعه بعض أدوات الإسعاف التى كان يستعملها  "بخاخة – كمامة – قطرة"، بادرنا بسؤاله "ايه اللى معاك دا؟"، فأجابهم قائل:اً "بشوف ناس بتقع كتير.. وناس بتضرب كتير.. انا معرفهمش.. بس لازم اشيلهم.. وما ينفعش ابصلهم وامشي"، وأبلغهم أنه لم يكن الوحيد الذى يقوم بهذا بل الآلاف مثله.

 

يسترجع الوالد ما حدث فيقول تابعت الاتصال به للاطمئنان عليه، ومحاولا إقناعه بالعودة إلى المنزل، وفي كل مرة كان يرد "ماتخافش، هرجع حالاً" .

 

 عاد أحمد في صباح اليوم الجديد، عاتبه والده على التأخر وعلى بقائه في محمد محمود "عاجبك اللى بيحصل هناك دا؟"، فأجابه "اللى بيحصل دا مايجييش ذرة من اللى أنا شوفته هناك، واللى بتشوفة على التليفزيون كذب".

 

يوم استشهاد أحمد غادر والده المنزل، وعاد مرة أخرى، بحسب روايته، ليلقي نظرة كانت الأخيرة، فدخل عليه غرفة نومة فوجده نائماً، فاستقر عند رأسه داعيا له بالهداية والستر، مؤكدا أنه لم يفهم سر تصرفه إلا بعد استشهاد ابنه.

 

اتصل والد"أحمد" بوالدته مساء يوم السبت، وسألها عنه، فأجابت أنه خرج مع زملائه وسيعود، وعند عودته إلى المنزل سألها عن "احمد" أجابت بانه لم يتصل ولم يحضر، ظل والده يتصل به حتى الساعة الثالثة فجراً، ولا إجابة أو أخبار عنه.

 

قرر والده الاتصال بزملائه، والذين أبلغوه بأنهم سيصلون إليه، وعند الساعة السابعة مساءً يوم الاثنين، أغلق جميع زملائه هواتفهم، ثم عاودوا فتحها ليخبروه أنهم قرروا البحث عنه بالمستشفيات.

 في يوم الثلاثاء ذهب والده بصحبة بعض أصدقائه إلى مستشفى "أحمد ماهر" الذى يعتبر أقرب مستشفى لهم، ولكنهم لم يجدوا اسم أحمد بالكشوف، فتوجهوا إلى مستشفى المنيرة، ولكنهم لم يجدوا الاسم أيضا إلى أن نصحه البعض بالذهاب إلى مستشفى قصر العينى.

 

وهناك عثر الوالد على اسم ابنه بمساعدة أحد اصدقائه بقسم العناية المركزة .

وعندما قابل الوالد الطبيب المعالج، طلب الطبيب أن يدعو الوالد لأحمد فسأله عم محمد، عما أصاب ابنه فرد الطبيب، "أحمد اخذ طلق ناري فى الرقبة، نتج عنه تهتك فى النخاع الشوكي، وهو فى حالة غيبوبة"، وهنا قال له عم محمد"الله يبارك لك اللى فى ايدك اعمله، واحنا كلنا بين ايدين ربنا".

 

اليوم وبعد مرور 3 سنوات على فراقه، مازالوا يتذكرون حديثه معهم، روحه لم تفارقهم حتى الآن، حتى  بقايا طعامه الذى تركه فى آخر يوم له بالمنزل، مازالوا محتفظين به، ومازال الجاني حرا طليقا.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    اعلان