رئيس التحرير: عادل صبري 06:46 مساءً | الخميس 25 فبراير 2021 م | 13 رجب 1442 هـ | الـقـاهـره °

انفراط سبحة الصراع الطائفي يهدد الشرق الأوسط

انفراط سبحة الصراع الطائفي يهدد الشرق الأوسط

العرب والعالم

العنف الطائفي فى الجزائر

انفراط سبحة الصراع الطائفي يهدد الشرق الأوسط

الأناضول 27 يونيو 2014 09:46

من يظن أن ما يجري حالياً في العراق وسوريا واليمن، وغيرها من البلاد العربية، من بذور حرب طائفية بين السنة والشيعة هي أمور منفصلة عن بعضها، فربما يكون غير قادر على رؤية الحقيقة أو أنه لا يريد أن يراها.

وتشير مستجات الأوضاع إلى أن ما يجري في تلك الدول ليست أحداثاً منفصلة عن بعضها، وإنما تأتي ضمن خطة متكاملة يجري تنفيذها ببطء ولكن بإحكام.

 

ويرى مراقبون أن معالم الصراع الشيعي السني ترسمها جهات دولية على رأسها الولايات المتحدة، مستفيدة من تحول ذلك الصراع إلى حرب ضروس ينخرط فيها كل بلد تعيش فيه هاتان الطائفتان (الشيعية والسنية) على الرغم من السلام والتعايش الطويل بينهما.

 

وهذا الأمر لا يأتي من باب حب إيقاظ الفتنة، وإنما هو بند من بنود خطة موضوعة لتقسيم بعض دول العالم العربي الى دويلات صغيرة، تحدث عنها مسؤولون غربيون منذ سنوات ونشرت خريطة حدودها وسائل إعلام عديدة منذ أيام حكم الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن (2001-2009).

 

وهذه الخطة قد تكون تبلورت وبُدأ بتنفيذها فعلياً بعد أحداث سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة وربما قبلها، حيث كان لتمدد هجمات القاعدة وقدرتها على الوصول إلى قلب أمريكا وشن هجمات على أبرز رموزها الاقتصادية (برجي مركز التجارة العالمي) والعسكرية (البنتاغون)، أثر بالغ على أقوى دولة في العالم، خاصة بوجود إدارة أمريكية وقتها (جورج بوش الابن) كانت الأكثر هجومية واعتداداً بالنفس وإيماناً بقدرتها على وضع العالم بأسره تحت سيطرتها ونفوذها.

 

ولتنفيذ هذا المخطط التقسيمي كان لا بد من الاعتماد على الأقليات المتواجدة في العالم العربي لتكون الركيزة الرئيسية لخلق دويلات صغيرة متناثرة في قلب هذا العالم لتضعف قوته وتمزقه وتصبح دوله أكثر حاجة للدعم السياسي والاقتصادي، وبالتالي أكثر قابلية للخضوع للأوامر والتعليمات و"النصائح الخارجية".

 

وبما أن أقوى الأقليات وأكثرها تواجداً وانتشاراً في العديد من الدول العربية هي الأقلية الشيعية التي تخوض أساساًَ صراعاً مذهبياً قديماً مع الطائفة السنية، وبما أن هناك دولة قوية تدعم وتقف وراء هذه الأقلية بل وتستفيد منها لتقوية نفوذها وطموحاتها بإعادة إحياء الامبراطورية الفارسية (إيران)، فكان لا بد من التركيز على هذه الأقلية لتكون القوة الأساسية والضاربة لتنفيذ مخطط تقسيم وإضعاف العالم العربي.

 

وهذا السيناريو يقوم على الاستفادة من القدرة الإيرانية على التغلغل في العالم العربي، وهو أمر لا تملكه الإدارة الأمريكية، إلا أن واشنطن وجدت أن لا ضير من الاستفادة من إيران في تحقيق المصلحة الأمريكية بالرغم من العداء والكره المعلن بين الطرفين.

 

إلا أن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بالوصول إلى هدفها النهائي بالهيمنة على الشرق الأوسط، حتى لو تركتها تحقق بعض الخطوات إليه.

 

وإنما تحرص واشنطن على أن تحقق غايتها في المنطقة العربية عبر إيران بحيث تستنزف في الوقت نفسه قوة الأخيرة الاقتصادية والعسكرية في دعمها لنظام بشار الأسد منذ أكثر من 3 سنوات وحكومة المالكي في العراق والحوثيين في اليمن والأقلية الشيعية في كل من السعودية والبحرين.

 

ولعل الصراع السني الشيعي، ليس الشفرة الوحيدة التي تتبعها الولايات المتحدة لتحقيق مخططها، ففي بعض الدول التي لا يوجد فيها تواجد أو نفوذ للطائفة الشيعية فإنه يتم زرع بذور الشقاق بين الأقليات الأخرى مثل الأقباط في مصر والمسيحيين في باقي الدول العربية وبين الأكثرية السنية الحاكمة أو المنافسة على الحكم.

 

وهذا العمل ليس بدعة جديدة، بل أفعال نفذتها فعلياً القوى الاستعمارية في القرن العشرين، وخلقت من خلالها دويلات صغيرة، وسلمت مقاليد الحكم فيها لأقليات حكمت الاكثرية كما هو الحال بالنسبة للنظام السوري الذي يحكم البلاد منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي، وتنتمي قياداته للطائفة العلوية (إحدى فروع الشيعة) التي تمثل 10% من عدد السكان في حين أن الطائفة السنية يتجاوز عدد سكانها 70% من عدد سكان سوريا.

 

ولعل ما حدث في العراق بعد احتلاله من قبل الولايات المتحدة الأمريكية بات هو الوصفة الجاهزة للتقسيم في المنطقة والتي من الممكن تطبيقها في عدد من الدول المجاورة وإن اختلفت السيناريوهات ومواعيد هذا التطبيق.

 

فبعد احتلال العراق عام 2003، قامت الولايات المتحدة بتدمير كامل للبنى التحتية للدولة ومؤسساتها، كحل الجيش العراقي والقوى الأمنية، كما شجعت على استئصال حزب البعث (الحاكم) وقتها من مؤسسات الدولة، وسلمت السلطة السياسية الفعلية للشيعة والأكراد، في ظل استبعاد شبه كامل للسنة الذين كانوا يملكون كامل مفاصل الحكم في عهد الرئيس الراحل صدام حسين أي قبل الاحتلال.

 

وكل ذلك يهدف إلى خلق بيئة خصبة للتقسيم على أساس طائفي وعرقي، فعلى الرغم من تأخر ظهور حدود ذلك التقسيم لأكثر من 10 سنوات بعد الاحتلال، إلا أن ما حصل في العراق منذ أسبوعين وقيام قوى سنية عراقية تصدرها تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" أو "داعش"، جاء نتيجة المخططات الأمريكية والإيرانية في العراق، وقد يكون جرى بمعرفة كل منهما بشكل يحقق مصلحة الطرفين.

 

إن أحد الدلائل القاطعة الأخرى على تنفيذ هذا المخطط هو السياسة الأمريكية السلبية والمستغربة مما يحصل في سوريا منذ أكثر من 3 سنوات، ورد الفعل المعاكس له تماماً بعد أحداث العراق.

 

فـ"المذابح" التي ارتكبها النظام السوري بحق الشعب تحت سمع وبصر العالم كله، أمر لم يسبق له مثيل في التاريخ الحديث وذلك باعتراف مسؤولين أمميين وغربيين، ومنهم مسؤولون في الإدارات الأمريكية السابقة، ومع ذلك يتجاهل الرئيس الأمريكي باراك أوباما جميع النصائح والضغوط الدولية -وحتى الأمريكية من الكونغرس وغيره- التي تطالب بتدخل أمريكي لوقف شلال الدم في سوريا والتدمير الكامل لهذه الدولة.

 

وحتى المطالبات التي تنادي برفع فعلي للحظر المفروض على تسليح قوات المعارضة، أو بفرض منطقة حظر طيران على مناطق تسيطر عليها قوات المعارضة لتكون ملاذاً آمناً للاجئين داخل بلادهم، وكذلك فتح ممرات إنسانية لدخول الماء والغذاء إلى ملايين النازحين عن ديارهم داخل سوريا والذين هم بحاجة ماسة للمساعدة، كل هذا لم يجد آذاناً صاغية أو رغبة لدى الرئيس الأمريكي لتحقيقه.

 

وحتى الفعل الوحيد الجدي الذي كان ينوي القيام به يتنفيذ ضربات عقابية ضد النظام السوري بعد اتهامات بتنفيذه "مجزرة الكيماوي" التي قتل فيها 1400 شخصاً في منطقة الغوطة بريف دمشق أغسطس/آب الماضي، تراجع عنه الرئيس الأمريكي مجازفاً بسمعته وماء وجهه وبسقوط خطوطه الحمراء التي وضعها للتدخل وكان في مقدمتها استخدام النظام للأسلحة الكيميائية.

 

إلا أن تلك الضربات كانت ستؤدي إلى انهيار للنظام السوري مهما كانت محدودة، بحسب جميع المراقبين، غير أنه وكما يبدو أن الإدارة الأمريكية لا تريد حدوثه حالياً قبل أن يتم تنفيذ كامل المخطط الموضوع لسوريا كإحدى الدول التي يراد إضعافها وتقيسمها.

 

وبالمقابل سارع أوباما فور سيطرة قوى سنية عراقية و"داعش" على بعض المناطق العراقية بإلقاء كلمة ركز فيها على استعداد الولايات المتحدة للمساعدة في منع سيطرة أولئك المسلحين (السنة) على العراق، وقام بإرسال حاملة طائرات على الفور إلى الخليج وسارع في إجراء مشاورات مع قادته العسكريين لوضع خطة لإجهاض عودة السيطرة السنية على العراق، والتي قد تؤدي إلى إجهاض القدرة الايرانية على السيطرة عليه، وبالتالي وقف المخطط المشترك بينهما بالسيطرة على سوريا ولبنان وربما غيرها من الدول في الإقليم، وإنهاء المواجهة الشيعية السنية في الإقليم لصالح السنة.

 

ولعل تبرير الإدارة الأمريكية وغيرها من الدول الغربية تحركهم السريع تجاه العراق بوقف نفوذ تنظيم "داعش"، غير منطقي أو مقنع لأن "داعش" متواجد في سوريا منذ أكثر من عام ولم تحرك تلك الدول ساكناً تجاهه أو تجاه النظام السوري الذي ساهم بقاؤه في ظهور التنظيمات المتطرفة.

 

ودليل آخر على هذا المخطط هو التركيز والتشديد الواضح والمستغرب على اشراك الأقليات في كل تشكيل سياسي في المعارضة السورية أو في مصر ودول اخرى، إذ لم يخل أي لقاء بين الأمريكيين والغربيين مع أي مسؤول في المعارضة السورية من التركيز على ضرورة حماية الأقليات وإعطائها دورا بارزا وهاما في القيادات السياسية للمعارضة، اضافة الى المؤتمرات واللقاءات التي كانت تنظمها بعض الدول للأقليات ودورها المستقبلي في سوريا.

 

فهل حقيقة يهم هؤلاء مشاركة الأقليات في الحكم بسوريا أكثر من إيقاف قتل وذبح وتشريد الاكثرية السنية في هذه الدولة المنكوبة؟، حتى أن بعض السنة أصبحوا يطالبون "ساخرين" بالاهتمام بهم ومعاملتهم معاملة الأقليات.

 

ولعل ما يجري في اليمن هو خطوة متقدمة في تنفيذ هذا المخطط، فالحوثيون يتقدمون يوما بعد يوم ليحتلوا مواقع جديدة في البلاد ويشكلوا تهديدا حقيقيا للدولة اليمنية وبمساعدة واضحة ومكشوفة من إيران، وفي الوقت ذاته تقوم الطائرات الأمريكية بدون طيار باغتيالات متتالية لقيادات سنية قد تكون أو لا تكون منتمية للقاعدة وبموافقة الحكومة اليمنية ودون اعتراض منها على ذلك.

 

وكل هذا يأتي في سياق تقوية جماعة الحوثي، التي تنتمي إلى المذهب الزيدي الشيعي والمدعومة من إيران، والسعي لترسيخ تقسيم محتمل للدولة ما بين السنة والشيعة.

 

أما ماجرى في كل من البحرين وشرقي السعودية من احتجاجات للشيعة بدعم إيراني واضح مطلع عام 2011، فكان من أقوى التجارب على قدرة الشيعة على وضع أي بلد عربي في حالة اضطرابات أو زعزعة الاستقرار فيها.

 

وشهدت محافظة القطيف بالمنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية، وهي المنطقة ذات الأغلبية الشيعية تظاهرات تزامنا مع احتجاجات البحرين، في فبراير 2011، زادت حدتها في مارس من العام نفسه بعد تدخل قوات سعودية ضمن قوات درع الجزيرة لإخماد احتجاجات البحرين.

 

والمنطقة الشرقية الغنية بالنفط في السعودية هي المركز الرئيسي للشيعة، الذين يشكلون نحو 10% من السعوديين البالغ عددهم حوالي عشرين مليون نسمة.

 

ويتهم الشيعية السلطات السعودية بممارسة التهميش بحقهم في الوظائف الإدارية والعسكرية، وخصوصا في المراتب العليا، وهو ما تنفيه الرياض.

 

أما في مصر فإن التركيز الكبير الذي تضعه الولايات المتحدة على الأقباط والمساعدة المادية التي تقدم لجمعياتهم في الولايات المتحدة هو أمر لا يمكن التغافل عنه، ويضاف إليه دعم قوى قبطية داخل مصر ودعمها ماديا عن طريق تلك الجمعيات.

 

ولعل التركيز الإعلامي الواضح على ما يقع من حوادث متفرقة بين المسلمين والأقباط في مصر، حتى ولو كانت لأسباب لاعلاقة لها بالتمييز الديني، هي إحدى الوسائل التي تتبع للمساعدة على تغذية فكرة الكره المتبادل بين المسلمين والأقباط لخلق بيئة مناسبة لأي صراع طائفي محتمل.

 

ويبقى السؤال هو: هل ما يجري في العالم العربي هو مخطط ينفذ بدقة وإحكام من قبل قوى خارجية، أم أنه أمر ينتج عن عوامل داخلية تتطور لتصل إلى ماوصلت إليه.

 

الجواب هو كلاهما معا، فالولايات المتحدة بما هي معروفة بسياستها البراغماتية لا تسير عكس التيار بل تركبه وتوجهه، حيث استغلت الأوضاع الاقتصادية والسياسية لبعض الدول العربية، وساهمت في خلق معظمها لتضعها في مصلحتها ولسيطرتها على شريان اقتصادها والعامل الأساسي في سيطرتها على العالم اقتصاديا وسياسيا وهو "النفط"، وقد وضعت مخططاتها فعلياً موضع التنفيذ الدقيق والمحكم بما يجري حالياً من صراعات في المنطقة.

 

وإحدى وسائل تنفيذه هي تفتيت الدول العربية القادرة على وقف هذه السيطرة من خلال نثر بذور حروب طائفية وأهلية، ولا يتوقف التنفيذ بتغيير الإدارات أو الرؤساء الأمريكيين مادام الأمر يتصل بالمصلحة الوطنية الأمريكية.

 

لذا فليس من المتوقع ان تتوقف هذه الأحداث في العراق وسورية واليمن، ومن المتوقع أن نراه في دول عربية اخرى، وستتطور هذه الأحداث إلى أن تصل إلى ما يراد لها ان تصل إليه.

 

اقرأ أيضا :

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    اعلان