رئيس التحرير: عادل صبري 05:21 مساءً | الاثنين 12 أبريل 2021 م | 29 شعبان 1442 هـ | الـقـاهـره °

بورما.. «المواطنون الشرفاء» سلاح الانقلاب لإرهاب المتظاهرين

بورما.. «المواطنون الشرفاء» سلاح الانقلاب لإرهاب المتظاهرين

العرب والعالم

مسلحون من انصار الانقلاب

بورما.. «المواطنون الشرفاء» سلاح الانقلاب لإرهاب المتظاهرين

عمر مصطفى 25 فبراير 2021 18:11

لجأ قادة الانقلاب العسكري بورما إلى وسيلة جديدة لإرهاب المتظاهرين عقب تزايد أعدادهم وفعالياتهم الاحتجاجية، وذلك من خلال دفع مجموعات مدنية مسلحة للاشتباك مع المتظاهرين، بما يؤدي إلى تحويل الأمر إلى "أعمال عنف" بين مؤيدين ومعارضين للانقلاب.

 

وعادة ما تطلق وسائل إعلام عربية على تلك المجموعات المسلحة اسم "المواطنين الشرفاء"، إذ تصورهم وسائل الإعلام الموالية للسلطة على أنهم مواطنون مخلصون يدافعون عن استقرار الوطن وأمنه، في وجه المتظاهرين الذين يتهمهم الإعلام الموالي للسلطة بأنهم خونة مدفعون من الخارج من أجل زعزعة استقرار البلاد.

 

وشنت تلك المجموعات، المسلحة بالخراطيم والمقاليع، اليوم الخميس، هجمات على السكان في رانغون، وذلك بعدما سمحت لهم السلطات بالوصول إلى معبد سولي الرمزي، الواقع على تقاطع رئيسي تم إغلاقه في الأيام الأخيرة لمنع المتظاهرين المناهضين للانقلاب من التجمع فيه.

 

سكاكين وأسلحة

ورفع مئات من أفراد تلك المجموعات الموالين للجيش لافتات كُتب عليها "ندعم قواتنا الدفاعية". فيما بدأ السكان القرع على الأواني، في خطوة أصبحت رمزاً للمقاومة المناهضة للعسكريين، احتجاجاً على التظاهرة المؤيدة للجيش.

 

واندلعت صدامات بين تلك المجموعات والمتظاهرين السلميين ظهراً في محيط محطة القطارات المركزية في رانغون. واستهدف ناشطون موالون للجيش وبعضهم كان يحمل خراطيم وسكاكين ويستخدم المقاليع لرشق الحجارة، السكان الذين كانوا يصرخون.

 

وقال أونغ زين لين (38 عاماً) الذي يعيش على مقربة من المكان، لوكالة فرانس برس "استهدفونا بمقاليع من على متن سيارة، أُصيب أكثر من عشرة أشخاص بجروح في الرأس".

 

وقال إن السكان الذين يفوق عددهم عدد الناشطين الموالين للجيش، ردّوا وأوقفوا البعض منهم ممن كانوا يحملون هراوت وسكاكين صغيرة ومقاليع. وعندما وصلت الشرطة، أمسك أطفال ونساء أذرع بعضهم لتشكيل درع بشري، خشية أن تحاول قوات الأمن توقيف بعض السكان. لكن بعدما ساد بعض التوتر، أبعدت الشرطة في نهاية المطاف المهاجمين.

 

وقال "زاو أو" الذي أُصيب بجروح في الأضلاع جراء المواجهات، لفرانس برس "أعتقد أن (مناصري الجيش) لديهم الحقّ في التظاهر لكن لم يكن ينبغي عليهم استخدام الأسلحة". وأظهرت مشاهد التقطتها كاميرات مراقبة في المكان وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، رجلاً يحمل سكيناً يطارد سكاناً في وسط المدينة.

 

في محيط الشوارع الرئيسية، كان سكان رانغون يرفعون أوراقا مالية عند مرور ناشطين موالين للعسكريين ويوجهون اليهم الاتهامات بانهم يتلقون المال من الجيش للتظاهر.

 

قمع متصاعد

ومنذ مطلع فبراير، استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والرصاص المطاطي ضد المتظاهرين. واستخدمت الرصاص الحي في بعض الأحيان. وارتفع عدد القتلى منذ الانقلاب الى خمسة الاربعاء بعد وفاة رجل في العشرين من العمر متأثرا بجروحه في ماندالاي.

 

ويهز غضب الشعب البورمي ضد الجنرالات منفذي الانقلاب في الأول من فبراير، البلاد ويتظاهر مئات آلاف الأشخاص يوميا للمطالبة بالافراج عن اونغ سان سو تشي الرئيسة السابقة للحكومة المدنية وإعادة العمل بالديموقراطية.

 

وداخل حرم جامعة رانغون، تظاهر طلابٌ بشكل سلمي حاملين الأعلام الحمراء وهو لون رمزي للرابطة الوطنية من أجل الديموقراطية، حزب الزعيمة البورمية أونغ سان سو تشي التي لا تزال محتجزة منذ الانقلاب.

 

وتم توقيف أكثر من 720 شخصا منذ الانقلاب كما أفادت رابطة مساعدة السجناء السياسيين بينهم خبير اقتصادي استرالي يدعى شون تورنيل وكان مستشارا لاونغ سان سو تشي. ووجهت زوجته رسالة اطلعت عليها وكالة فرانس برس لزوجة قائد الجيش مين أونغ هلاينغ لكي تطلب منها الافراج عن زوجها.

حجب صفحات الجيش

وفي خطوة جديدة لمحاصرة الانقلاب، أعلنت شبكة فيسبوك أنها أغلقت كل الحسابات المتبقية المرتبطة بالجيش البورمي بسبب استخدام المجموعة العسكرية "العنف الدامي" ضد المتظاهرين المطالبين بالديموقراطية. وقالت فيسبوك في بيان إن "الاحداث منذ انقلاب 1 فبراير بما يشمل العنف الدامي سرّعت من ضرورة هذا الحظر".

 

واستخدم الجيش البورمي فيسبوك على نطاق واسع لنشر اتهاماته بتزوير الأصوات في انتخابات نوفمبر التي فاز بها حزب الزعيمة السياسية أونغ سان سو تشي.

 

لكن صفحات المؤسسات الحكومية التي باتت تديرها حاليا المجموعة العسكرية لم تتأثر. وجاء في البيان "هذا الحظر لا يشمل الوزارات والهيئات الحكومية العاملة في تقديم الخدمات العامة الأساسية".

 

وطُرد زعيم قائد الانقلاب الجنرال مين أونغ هلاينغ ومسؤولون كبار آخرين من منصة فيسبوك في 2018 بعد عام من حملة شنها الجيش أجبرت نحو 750 ألفًا من أقلية الروهينغا المسلمة على الفرار إلى بنجلاديش المجاورة. في العام نفسه، اعترفت فيسبوك بأنها لم تفعل ما يكفي لمنع التحريض على العنف في بورما.

عقوبات جديدة

من جانبها أعلنت بريطانيا فرض عقوبات على ستة مسؤولين من المجموعة العسكرية في بورما، بينهم قائد الجيش مين أونغ هلاينغ، لدورهم في الانقلاب العسكري. ويُضاف العسكريون الستة الذين باتوا ممنوعين من دخول الأراضي البريطانية وإبرام أعمال تجارية مع شركات بريطانية، إلى 19 مسؤولاً بورمياً آخر سبق أن فرضت الحكومة البريطانية عليهم عقوبات بسبب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان.

 

وقال وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب في بيان إن هذه التدابير "تبعث رسالة واضحة للنظام العسكري البورمي: سيُحمّل المسؤولون عن انتهاكات حقوق الإنسان المسؤولية وينبغي على السلطات أن تُعيد الحكم إلى الشعب البورمي".

 

من جهته أعلن البنك الدولي تعليق كل مساعداته الى بورما والتي وصلت الى حوالى 900 مليون دولار عام 2020. وكتب البنك الدولي في رسالة بالبريد الالكتروني اطلعت عليها وكالة فرانس برس أن المبالغ التي طلبتها البلاد منذ 1 فبراير، تاريخ الانقلاب، لن تتم تلبيتها.

 

وحذرت مديرة البنك الدولي في بورما مريم شيرمان من أن البنك يمكنه أيضا "أن يطلب تسديد أموال يعتبر أنها غير ضرورية في الوقت الراهن لإنجاز مشاريع".

رسالة حقوقية

وفي السياق، أرسلت 131 منظمة غير حكومية من 31 بلداً الأربعاء رسالة مفتوحة إلى مجلس الأمن الدولي تطالبه فيها بأن يفرض بصورة عاجلة حظراً عالمياً على صادرات الأسلحة إلى بورما بهدف منع الجيش من "ارتكاب مزيد من الانتهاكات".

 

وقالت المنظّمات في الرسالة المشتركة إنّه "يجب على مجلس الأمن الدولي أن يفرض بشكل عاجل حظراً عالمياً على صادرات الأسلحة إلى بورما رداً على الانقلاب العسكري وردعاً للمجلس العسكري عن ارتكاب المزيد من الانتهاكات".

 

وأضافت أنّه "يجب على الحكومات التي تسمح بتدفّق الأسلحة إلى بورما - بما في ذلك الصين والهند وإسرائيل وكوريا الشمالية والفيليبين وروسيا وأوكرانيا - أن توقف على الفور توريد الأسلحة والذخيرة والمعدّات ذات الصلة".

 

ومن بين الدول التي عدّدتها الرسالة ثلاث تشغل مقاعد في مجلس الأمن الدولي، منها اثنتان دائمتا العضوية وتتمتّعان بالتالي بحقّ الفيتو (روسيا والصين) والثالثة (الهند) تشغل منذ يناير مقعداً غير دائم.

 

وشدّد كينيث روث، مدير منظمة هيومن رايتس ووتش المتخصّصة بالدفاع عن حقوق الإنسان على أنّه "بالنظر إلى الفظائع الجماعية ضدّ الروهينغا وعقود من جرائم الحرب والإطاحة بالحكومة المنتخبة، فإنّ أقلّ ما يمكن لمجلس الأمن أن يفعله هو أن يفرض حظر أسلحة عالمياً على بورما".

ووفقاً للمنظمات التي وقّعت على الرسالة ومن بينها بالإضافة إلى هيومن رايتس ووتش عشرات المنظمات الحقوقية الآسيوية فإنّه ينبغي على مجلس الأمن الدولي "أن يفرض أيضاً عقوبات محددة الأهداف وحظر سفر وتجميد أصول على قادة المجلس العسكري".

تساؤلات حائرة

ويثير الانقلاب العسكري ضد الحكومة المدنية، العديد من التساؤلات حول الحاجة إلى ذلك التحرك العنيف فيما يحكم الجيش قبضته على السلطة بالفعل، من خلال تحكمه بمفاصل الاقتصاد وسيطرته على ربع مقاعد البرلمان، طبقا للدستور، فضلا عن إمساكه بمعظم الوزارات الحساسة، مثل الدفاع والداخلية والحدود.

 

وقوّة الجيش البورمي ليست عسكرية فحسب، بل هي أيضًا اقتصادية. حيث يمتلك 14٪ من ميزانية الدولة. مع ذلك فإنَّ تمويله يتخطى بكثير ما تشير إليه الأرقام الرسمية إذ يتهم بتهريب المخدرات، والدخول في منظومة الفساد، كما يستفيد من الأرباح التي تجنيها شركات مملوكة له إضافة الى نفوذ واسع في كل قطاع من قطاعات الاقتصاد البورمي.

 

ويتحدَّث محللون عن دوافع شخصية لقائد الجيش الجنرال "مين أونغ هلاينغ" الذي تولى مقاليد الحكم عقب الانقلاب، فالجنرال الذي يعد بمثابة الحاكم الفعلي للبلاد كان يستعد للتقاعد بعد عقد كامل من الإمساك بزمام الجيش والسلطة، وهو ربما لم يكن يفضل تلك النهاية الهادئة، ويرغب بقضاء مزيد من الوقت فوق سدة الحكم.

 

ويشير البعض إلى خشية هلاينغ من تقاعد غير مريح، في ظل ما تشهده البلاد من انفتاح على المجتمع الدولي، وتصاعد وتيرة انخراط بورما في التجارة الدولية، بعد عقود طويلة من العزلة بسبب الحكم العسكري القاسي وتجميد الحياة السياسية، ويخشى الجنرال القوي من أن يؤدي ذلك الانفتاح إلى مزيد من التآكل في شعبية ونفوذ الجيش، وصولا إلى تعديل الدستور وإلغاء النصوص التي تمنح القوات المسلحة وضعا مهيمنا على مقاليد الحكم.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    اعلان