رئيس التحرير: عادل صبري 08:52 مساءً | الجمعة 05 مارس 2021 م | 21 رجب 1442 هـ | الـقـاهـره °

انقلاب بورما.. مأزق الجنرالات يتفاقم بين التظاهرات والعقوبات

انقلاب بورما.. مأزق الجنرالات يتفاقم بين التظاهرات والعقوبات

العرب والعالم

تأبين أولى ضحايا الانقلاب

انقلاب بورما.. مأزق الجنرالات يتفاقم بين التظاهرات والعقوبات

عمر مصطفى 23 فبراير 2021 09:48

يعاني قادة الانقلاب العسكري في بورما من مأزق مزدوج، ففي الوقت الذي تتصاعد فيه وتيرة التظاهرات والدعوات إلى الإضراب العام والعصيان المدني، مع سقوط المزيد من القتلى في صفوف المتظاهرين، يبدي المجتمع الدولي مزيدا من الحزم في رفض الانقلاب، عبر فرض العقوبات والإدانات القاسية، في بلد عانى لعقود من العزلة والنبذ بسبب سجله السيئ فيما يتعلق بالحريات وحقوق الإنسان.

 

منذ ثلاثة أسابيع لم تتوقف السلطات البورمية عن تكثيف اللجوء الى القوة بهدف إضعاف التعبئة المطالبة بالديموقراطية، لكن ذلك لم يمنع خروج تظاهرات أمس الإثنين، كانت الأضخم منذ انقلاب الأول من فبراير. حتى الآن قتل ثلاثة متظاهرين وكذلك رجل كان يقوم بدورية لتجنب الاعتقالات في حيه في رانغون.

عقوبات جديدة

يأتي ذلك، فيما أعلنت الولايات المتحدة، اليوم الثلاثاء، أنّها فرضت عقوبات جديدة على اثنين من أعضاء المجلس العسكري الذي تولّى السلطة في بورما في انقلاب أطاح بحكومة أونغ سان سو تشي المدنية، هما الجنرال مونغ مونغ كياو قائد سلاح الجو واللفتنانت جنرال موي مينت تون.

 

وكانت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن فرضت قبل عشرة أيام سلسلة أولى من العقوبات ضدّ عدد من قادة المجلس العسكري الحاكم، بمن فيهم زعيم الانقلابيين الجنرال مين أونغ هلينغ.

 

وقال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في بيان "لن نتردّد في أخذ إجراءات جديدة ضدّ أولئك الذين يرتكبون أعمال عنف ويقمعون إرادة الشعب. لن نتزحزح عن دعمنا للشعب البورمي".

 

وأضاف بلينكن في بيانه "ندعو الجيش والشرطة إلى وقف كلّ الهجمات على المتظاهرين السلميين، وإلى الإفراج فوراً عن جميع المعتقلين ظلماً، وإلى وضع حدّ للهجمات وعمليات الترهيب ضدّ الصحفيين والنشطاء، وإلى إعادة إرساء الحكومة المنتخبة ديموقراطياً".

 

وجاء هذا الإعلان بعد ساعات على قرار الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على المصالح الاقتصادية والمالية للعسكريين المسؤولين عن الانقلاب. وقال وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل الاثنين "قرر وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات تستهدف تحديدا المصالح الاقتصادية والمالية للعسكريين، بما أنهم رجال أعمال في هذا البلد ويملكون قطاعات من الاقتصاد".

 

وأضاف "كل مساعدة مالية مباشرة، لبرامج الاصلاح الحكومية قد علقت". لكنه أوضح ان الاتحاد الاوروبي "لا يعتزم خفض مستوى علاقاته مع بورما تخوفا من أن يؤثر ذلك على الشعب".

قمع وحشي

تأتي هذه العقوبات بعدما استخدم الجيش البورمي الرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه وحتى الرصاص الحي أحيانا ضد المتظاهرين. ونشر الجيش تعزيزات أمنية إضافية أيضا في شوارع رانغون، أكبر مدن البلاد وعاصمتها الاقتصادية.

 

ولمنع المتظاهرين من التجمع، نصبت قوات الأمن حواجز في محيط مفترقات الطرق الرئيسية المؤدية إلى حي السفارات. ومنذ الانقلاب تم اعتقال أكثر من 680 شخصا أو وجهت اليهم التهم أو ادينوا بحسب منظمة غير حكومية تقدم مساعدة للسجناء السياسيين، ولا يزال جميعهم تقريبا في السجون.

 

وقطع الانترنت ليلا الذي أمرت به المجموعة العسكرية، يثير مخاوف من أن تستغل السلطات ذلك للقيام باعتقالات أوسع نطاقا بحق الناشطين المطالبين بالديموقراطية. حتى الآن لم تؤد الاجراءات التي اتخذتها المجموعة العسكرية إلى ثني المتظاهرين عن النزول الى الشوارع.

 

وتجمع عشرات آلاف الاشخاص في نايبيداو العاصمة الادارية للبلاد، أمس الاثنين، وتم اعتقال أكثر من مائة شخص فيما لاحقت الشرطة الاشخاص في مختلف الشوارع. وفي رانغون واصل المتظاهرون مسيراتهم رغم التواجد الكبير لقوات الأمن والحواجز التي نصبت في مختلف أنحاء المدينة.

 

ونظمت وقفات في ذكرى المتظاهرين الذين قتلوا. وقال أحدهم ويدعى ثورا ميو وهو طالب "يمكننا فقط الصلاة من أجلهم". وأضاف "رغم اننا حزينون فان أصواتنا ستسمع في المجموعة الدولية".

تهديد بالقتل

وأدت الدعوات الى وقف العمل الى خلل في أنشطة الحكومة والشركات والمصارف، فيما لوحت السلطة العسكرية الأحد بالتهديد باللجوء الى القوة القاتلة من أجل وقف "الفوضى".

 

لجأت سلطات الانقلاب إلى سياسة القبضة الحديدية، بعدما فشلت استراتيجية "القمع الناعم" التي استخدمها الجنرالات في الأيام الأولى للانقلاب لتجنب الانتقادات الدولية، لكن مع اتساع وتيرة التظاهرات وتزايد دعوات الإضراب العام والعصيان المدني، حذر الجيش المتظاهرين من "مواجهة سيتكبدون فيها خسائر في الارواح".

 

وعلى الرغم من نشر عدد أكبر من القوات والتعهد بإجراء انتخابات جديدة فقد أخفق قادة الجيش في وقف الاحتجاجات اليومية وحركة العصيان المدني المستمرة منذ أكثر من أسبوعين والتي تطالب بالتراجع عن انقلاب الأول من فبراير والإفراج عن الزعيمة المنتخبة أونج سان سو تشي.

 

وحذرت محطة (إم.أر. تي في )المملوكة للدولة المتظاهرين من مواجهة القتل في حال واصلوا الاحتجاجات، قائلة إن "المحتجين يحرضون الان الناس ولا سيما المراهقين والشبان المتحمسين على طريق مواجهة سيتكبدون فيها خسائر في الارواح".

 

وسيطر الجيش على السلطة بعد زعمه حدوث تلاعب في انتخابات 8 نوفمبر الماضي والتي اكتسحها حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية بزعامة سو تشي واعتقلها وآخرين. ورفضت مفوضية الانتخابات الشكاوى المتعلقة بحدوث تلاعب في الانتخابات.

تساؤلات حائرة

ويثير الانقلاب العسكري ضد الحكومة المدنية، العديد من التساؤلات حول الحاجة إلى ذلك التحرك العنيف فيما يحكم الجيش قبضته على السلطة بالفعل، من خلال تحكمه بمفاصل الاقتصاد وسيطرته على ربع مقاعد البرلمان، طبقا للدستور، فضلا عن إمساكه بمعظم الوزارات الحساسة، مثل الدفاع والداخلية والحدود.

 

وقوة الجيش البورمي ليست عسكرية فحسب، بل هي أيضًا اقتصادية. حيث يمتلك 14٪ من ميزانية الدولة. مع ذلك فإن تمويله يتخطى بكثير ما تشير إليه الأرقام الرسمية إذ يتهم بتهريب المخدرات، والدخول في منظومة الفساد، كما يستفيد من الأرباح التي تجنيها شركات مملوكة له إضافة الى نفوذ واسع في كل قطاع من قطاعات الاقتصاد البورمي.

 

ويتحدث محللون عن دوافع شخصية لقائد الجيش الجنرال "مين أونغ هلاينغ" الذي تولى مقاليد الحكم عقب الانقلاب، فالجنرال الذي يعد بمثابة الحاكم الفعلي للبلاد كان يستعد للتقاعد بعد عقد كامل من الإمساك بزمام الجيش والسلطة، وهو ربما لم يكن يفضل تلك النهاية الهادئة، ويرغب بقضاء مزيد من الوقت فوق سدة الحكم.

ويشير البعض إلى خشية هلاينغ من تقاعد غير مريح، في ظل ما تشهده البلاد من انفتاح على المجتمع الدولي، وتصاعد وتيرة انخراط بورما في التجارة الدولية، بعد عقود طويلة من العزلة بسبب الحكم العسكري القاسي وتجميد الحياة السياسية، ويخشى الجنرال القوي من أن يؤدي ذلك الانفتاح إلى مزيد من التآكل في شعبية ونفوذ الجيش، وصولا إلى تعديل الدستور وإلغاء النصوص التي تمنح القوات المسلحة وضعا مهيمنا على مقاليد الحكم.

 

ومنذ عام 1962 حكمت بورما من قبل ديكتاتورية عسكرية ماركسية بعد انقلاب سيطر من خلاله "ني وين" على الحكم من عام 1962 إلى عام 1988. وشغل حينها ني وين منصب رئيس الوزراء ورئيس الدولة وزعيم الحزب الوحيد آنذاك، حزب البرنامج الاشتراكي البورمي.

 

وتصنف المنظمات الحقوقية الدولية بورما بين أسوأ دول العالم من حيث الحريات العامة: حرية الصحافة وحقوق الإنسان غير موجودتين، والقضاء ليس مستقلاً عن السلطة التنفيذية، أما احزاب المعارضة فهي محظورة.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    اعلان