رئيس التحرير: عادل صبري 05:28 مساءً | الجمعة 13 ديسمبر 2019 م | 15 ربيع الثاني 1441 هـ | الـقـاهـره °

«الوعد» يكسر «الطابع التحريمي».. هل يعود الجيش الألماني كقوة عسكرية في العالم؟

«الوعد» يكسر «الطابع التحريمي».. هل يعود الجيش الألماني كقوة عسكرية في العالم؟

العرب والعالم

الجيش الألماني

«الوعد» يكسر «الطابع التحريمي».. هل يعود الجيش الألماني كقوة عسكرية في العالم؟

إنجي الخولي 20 نوفمبر 2019 04:30

"أنذر نفسي لخدمة جمهورية ألمانيا الاتحادية بوفاء والدفاع بشجاعة عن حق الشعب الألماني وحريته"، وعد يردده الشباب الألماني قبل التحاقهم بالخدمة العسكرية، لقى تشجيعًا سياسيًا اعتبره البعض تصحيحا للأوضاع ورفع "الصورة التحريمية" التي انسحبت على ألمانيا منذ عام 1945، فهل ألقيت ملفات التاريخ الخاصة بالحرب العالمية الثانية في بحور النسيان ، وأصبح الجيش الألماني قوة عسكرية ضاربة في العالم؟.

 

الأيام القليلة الماضية شهدت احتدام النقاش حول تحوّل ألمانيا إلى قوة عسكرية عالمية من جديد، وبخاصة بعد اعتزام وزيرة الدفاع الألمانية، أنغريت كرامب كارينباور، تحويل جيش بلادها إلى قوة كبرى فاعلة خارجيا وداخليا.

 

وتشتعل جلسات الدوائر الحزبية الألمانية بنقاشات ساخنة حول دور الجيش وقوته، مع فتح قضية ترديد وعد الانضمام إلى الجيش الألماني منذ بضعة أيام.

 

الوعد الذي يريد الشباب الألماني ترديده أمام عموم الألمان قبل التحاقهم بالخدمة العسكرية، لقى تشجيعا من وزيرة الدفاع الألمانية ومن أطراف أخرى قوية فاعلة مثل الحزب الديمقراطي المسيحي، والحزب الاشتراكي الديمقراطي، والأسقف البروتستانتي العسكري، زيغورد رينك ساند المقترح كمساهمة في إجلاء "الطابع التحريمي" عن صورة الجيش الألماني وسمعته. بيد أن حزب اليسار وحده هو الذي كان يعارض هذا الموقف.

 

الذين يوافقون على القسم يؤكدون أنها خطوة سليمة ، ويرون أنه من حق الجيش الألماني أن يظهر إلى العلن وأن يشارك بقوة وفاعلية داخل البلاد بداية، وأن يقوم بدوره على الصعيد العالمي، وأن ملفات التاريخ الخاصة بالحرب العالمية الثانية قد ألقيت في بحور النسيان.

 

إلا أنه على الجانب المقابل هناك من تجتاحه المخاوف من تلك الصحوة لاسيما إذا وضعت في الاعتبار أجواء عودة اليمين الألماني المتطرف والذي يكشف يوما تلو الآخر عن ميول تستدعي ذاكرة العقود الأولى من القرن العشرين، وارتفاع الأصوات الداعية إلى "الرايخ الثالث".

 

وليس سرا أن هناك اليوم في الداخل الألماني من يؤمن بفكر "ألمانية الآرية"، وألمانيا فوق الجميع، وهذا ما حدث قبل بضعة أشهر في إحدى المدن الألمانية وهي كيمنتس، حيث نزل إلى الشوارع آلاف من مواطني المدينة ملوحين بالأعلام الألمانية ومؤدين التحية النازية، التي يعاقب عليها القانون الألماني بالحبس.

 

وما يزعج بعض الألمان بالفعل هو أن دعوات إحياء القوات المسلحة الألمانية تواكب دعوات جماعات سياسية آخذة في الصعود المخيف مثل حزب البديل من أجل ألمانيا، والذي قدر له أن يفوز بنحو 100 مقعد في "البوندستاغ الألماني" خلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

 

وتبرز المخاوف من مطالب البديل والنازيين الجدد وأولئك الراغبين بتغيير شكل الخارطة السياسية للبلاد، ودعوتهم لإسقاط النظام الألماني الحالي، والذي يصفونه بأنه فاشل.

 

"إرث سيء" و"طابع تحريمي"

سبعة عقود ونيف هي عمر ما عرف بـ"الطابع التحريمي"، أي منع ألمانيا من بناء قوة مسلحة جديدة يمكنها عند لحظة بعينها أن تكون حجر عثرة أوروبيا ودوليا، والجميع لا ينسى ست سنوات من "الحرب الكونية" الطاحنة التي سقط فيها أكثر من 70 مليون قتيل من جراء رغبة ألمانية نازية.

 

ويمكن اليوم الجزم بأن ألمانيا تخلصت من ذلك العبء الإيديولوجي السيء، غير أن واقع الحال فعليا يشير إلى أن خطط نشوء وارتقاء العسكرية الألمانية مرة جديدة، لا تزال تواجه بمخاوف كبيرة نظرا لرواسب تاريخية ارتبطت بسمعة هذا الجيش وصورته.

 

والتعهدات العلنية للجيش الألماني ليست بديهية بالنسبة إلى بلد شن جيشه قبل 80 عاماً حرباً هجومية.

 

وعندما وافق وزير الدفاع هانس أبيل في 1980 لأول مرة على إقامة حفل لترديد قسم الولاء ليس وراء جدران الثكنة، بل داخل ملعب فيزر في بريمن، حصلت احتجاجات عنيفة أسفرت عن مئات الجرحى.

 

واليوم باتت مثل هذه المناسبات لترديد القسم وكذلك تدخلات الجيش الألماني في الخارج لا تُقابل بالشكوك.

 

وتسير وزيرة الدفاع الألمانية بأفكارها خطوات إضافية، فكما شرحت في عدة خطابات في الأسابيع الماضية، فهي ترى في ألمانيا قوة عسكرية مستقبلية.

إذ تريد إقامة مجلس أمن قومي يقوم بتنسيق وسائل الدبلوماسية والجيش والاقتصاد والتجارة والأمن الداخلي والتعاون التنموي، وهي تطالب بقرارات برلمانية أسرع في التدخلات وتطالب بالتعاون مع الحلفاء "باستنفاد" "مجال الوسائل العسكرية" في حال الضرورة.

 

وتأتي الموافقة من الجانب العسكري الأمني السياسي، إذ أن هاراد كويات، الرئيس السابق للجنة حلف شمال الأطلسي وصف أفكار أنغريت كرامب كارينباور كخطوة صحيحة أولى. وبوجه خاص إنشاء مجلس أمني يدعمه أيضاً فولفغانغ إيشنغر، رئيس مؤتمر أمن ميونيخ.

 

ألمانيا قوة واحدة

وبينما تعيش حالة قديمة – جديدة من المخاوف بسبب انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي اعتبره عدد من كبار السياسيين الأوربيين أمرا يخل بمفهوم التوازن بين القوى الأوروبية، حيث يمكن أن تطغى دولة على أخرى، طفا على السطح الوعد العسكري وتبعه دعوات وزيرة الدفاع الألمانية بمشاركة أوسع للجيش الألماني ـ بوندسفير ـ

في مهمات دولية خارج البلاد.

 

وفي مقدمة الذين رفعوا صوتهم بالتحذير من الوضع الجديد اللورد المحافظ هيز لتاين، والذي ذهب إلى أن خروج بريطانيا عمليا يضع القارة الأوروبية تحت زعامة ألمانيا، وهذا هو هدف الألمان الحقيقي الذي لم يتمكن هتلر من تحقيقه في الحرب العالمية الثانية، بينما تحققه برلين الآن بالوسائل السلمية.

 

ولا يعني كون ألمانيا أنها قلب الاقتصاد الأوروبي اليوم أنها بعيدة عن صحوة الصناعات العسكرية العائدة بقوة في سماوات الأسواق العالمية، لا سيما الغواصات والدبابات، والسلاح الألماني مشهود له بكفاءة فائقة، هذا إلى جانب دور الاستخبارات الألمانية المتصاعد بقوة في العالم.

وكان الأمين العالم لحلف الناتو، ينس ستولتنبيرغ قد قال :" ألمانيا شريك في الناتو يتمتع بتقدير عال له مساهمات عامة من كوسوفو حتى أفغانستان، وأكبر اقتصاد في أوروبا يجب أيضا في المستقبل أن يلعب دورا قياديا داخل التحالف" ، بحسب "دويتشه فيليه".

 

وعلى الجانب الآخر من الأطلسي لا تبدو أمريكا في حالة ارتياح إزاء النهضة العسكرية الألمانية وإن لم تعلن عن ذلك بصوت عال، غير أن عند مفكري أمريكا حسابات تتخوف من آمال وأحلام ألمانيا الذي تزخمه حركات مثل "بغيدا"، وتقف وراءه جهرا تارة وسرا تارة أخرى قيادات ألمانية شابة يمكنها أن تغيّر وجه العالم خلال عقد من الزمن.

 

وبات الصعود الألماني الواثق وتحول الدولة التي عانت مرارة الهزيمة غداة الحرب العالمية الثانية إلى قوة دولية كبرى مؤثرة في مسارات العالم مستقبلا، يزعج الأمريكيين المصممين على جعل القرن الحادي والعشرين قرنا أميركيا بامتياز ، بحسب "سكاي نيوز".

 

وخير دليل على هذا الانزعاج، تعمد واشنطن زرع جواسيسها داخل وزارة الدفاع الألمانية، ووصول الأمر إلى حد التجسس على هاتف المستشارة ميركل شخصيا.

 

كذلك وقبل أعوام بدا وكأن هناك أزمة بين الأمريكيين والألمان، لا سيما وأن واشنطن ترفض إعادة رصيد الذهب الألماني المحتفظ به منذ عقود لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.

ويمكن الاستنتاج بأن التجسس الأميركي على ألمانيا وموقفها من احتياطيها الذهبي، يعنيان أن واشنطن متوجسة وقلقة من ملامح التحول "الجيوبوليتيكي" العالمي، وألمانيا في طليعته، والخلاصة أن ألمانيا تضع نهاية لزمن الطابع التحريمي.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان