رئيس التحرير: عادل صبري 04:27 صباحاً | الخميس 21 أكتوبر 2021 م | 14 ربيع الأول 1443 هـ | الـقـاهـره °

إرهاصات الربيع العربي.. لهذا انتفضت الشعوب ضد حكامها

إرهاصات الربيع العربي.. لهذا انتفضت الشعوب ضد حكامها

العرب والعالم

دول الربيع العربي سعت لتحقيق أحلامها عبر الثورة

إرهاصات الربيع العربي.. لهذا انتفضت الشعوب ضد حكامها

إسلام محمد 27 ديسمبر 2020 14:03

تشابه يقترب لحد التطابق بين ما حدث عشية الثورة الفرنسية 1789، وما كانت تشهده الدول العربية التي ضربتها موجات الربيع العربي، وكانت بدايتها تونس 2010، ثم اندلعت في باقي الدول 2011.

 

الثورة الفرنسية التي كانت وليدة الاختناقات التي عاشتها البلاد إثر حروب متصلة، بالتزامن مع بذخ الملك لويس الخامس عشر، ومن بعده لويس السادس عشر، الذي خلق طبقة من المنتفعين واللصوص من موظفي الدولة الكبار، والوزراء والمدراء ومن يتم تعيينهم بواسطة الملك.

 

وعندما حلت عشية الثورة كان النظام فقد معظم أنصاره تقريبا، ولم ينفعه المنافقون من أبواقه، الذين يروجون للملك وحاشيته من أجل الثراء غير المشروع أو البقاء في الوظائف، والحصول على الامتيازات المادية والمعنوية، ولأنهم كانوا قلة مقارنة مع الملايين المحرومة، فقد سقطوا جميعا.

 

تشابه غريب بين ما عاشته الثورة الفرنسية في إرهاصاتها وما عاشته دول الربيع العربي، فأنظمة الحكم كانت وصلت لمرحلة من الفساد والديكتاتورية لم يسبق لها مثيل، وجعلت الأوضاع أشبه بالنار التي تحت الرماد وتنتظر الرياح فقط لتشتعل، وهو ما حدث عندما هبت رياح الربيع العربي.

 

تلك الرياح أخرجت النار التي في جوف الشعوب من الظلم والقهر والفساد الذي يغرق الطبقة الحاكمة لتحرق تلك الأنظمة، على أمل بناء أنظمة جديدة تستطيع من خلالها أن تحقق أحلامها "عيش وحرية وعدالة اجتماعية".

 

فخلال السنوات التي سبقت هبوب رياح الربيع العربي عانت شعوب المنطقة من انتهاكات على كافة المستويات، الأمر الذي جعل الجميع يؤكد أن الأمور لا يمكن أن تسير هكذا إلى النهاية، والثورة قادمة لا محالة.  

 

اقتصاديا، جففت الموارد والاستثمارات، وباتت عبئا على الشعب الذي يُحرم من كل مقومات وطنه، مقابل بذخ الحاكم الذي ينفق مليارات الدولارات جلب جلها من أموال القروض التي سيسدد الشعب أقساطها، بالإضافة إلى فوائدها.

 

هذا بجانب الأوضاع الاجتماعية، حيث شهدت مختلف الدول انتهاكات حقوقية تصاعدت حدتها بشكل كبير قبيل الثورة، فالإرهاصات في "مصر وسوريا والبحرين واليمن وليبيا وتونس" لم تكن تختلف كثيرا عن بعضها.

 

تونس:

 

أطلق إشعال الشاب محمد البوعزيزي النار في جسده تعبيرًا عن غضبه على بطالته ومصادرة العربة التي يبيع عليها من قبل الشرطة شرارة المظاهرات في 18 ديسمبر 2010، حيث خروج آلاف التونسيين الرافضين لأوضاع البطالة وغياب العدالة الاجتماعية وتفاقم الفساد داخل النظام الحاكم.

 

وأدى ذلك إلى اندلاع مواجهات بين مئات من الشبان في منطقة سيدي بوزيد وولاية القصرين مع قوات الأمن لتنتقل الحركة الاحتجاجية من مركز الولاية إلى البلدات والمدن المجاورة.

 

ونتج عن هذه المظاهرات سقوط العديد من القتلى والجرحى من المتظاهرين نتيجة تصادمهم مع قوات الأمن، وأجبَرت الرئيس زين العابدين بن علي على إقالة عدد من الوزراء بينهم وزير الداخلية وتقديم وعود لمعالجة المشاكل التي نادى بحلها المتظاهرون.

 

وأعلن "بن علي" عزمه على عدم الترشح لانتخابات الرئاسة عام 2014، كما تم بعد خطابه فتح المواقع المحجوبة في تونس كاليوتيوب بعد 5 سنوات من الحَجب، بالإضافة إلى تخفيض أسعار بعض المنتجات الغذائية تخفيضاً طفيفاً، لكن الاحتجاجات توسعت وازدادت شدتها حتى وصلت إلى المباني الحكومية مما أجبر الرئيس بن علي على التنحي عن السلطة ومغادرة البلاد بشكل مفاجئ يوم 14 يناير 2011.

 

مصر:

 

شهدت سنوات حكم الرئيس حسني مبارك انتهاكات حقوقية كثيرة، وتسببت قضية مقتل الشاب السكندري خالد سعيد في 2010 في توجيه انتقادات لنظام مبارك.

 

وبحسب تقرير للهيئة العامة للاستعلامات المصرية، فقد عانى الشعب خلال عقود مبارك الـ 3 من انتهاكات حقوق الإنسان في أقسام الشرطة ومختلف مقار الحجز، وتمادت الشرطة في استخدام الصلاحيات التي أوجبها العمل بقانون الطوارئ علي مدار 30 عاماً، تلك السنوات كانت كافية لتهيئة الشعب للثورة ضد مبارك.

 

كما أن الانتقادات تصاعدت ضد الرئيس مبارك بعد الحديث الذي أصبح يتصاعد عن سعيه لتوريث الحكم لنجله جمال، وتزامن ذلك مع انتخابات برلمانية في 2010 أجمعت منظمات دولية على تزويرها، وشكل رجال مبارك برلمان خاليا من المعارضة هدفه تمرير مشروع التوريث.

 

الأوضاع الاقتصادية لم تكن بحال أفضل، فخلال عهد مبارك انتشرت الرشوة وسيطر الفساد على مؤسسات الدولة، وأصبح المواطن يعاني من البطالة، والمرض، والجهل، مثلث جعل الثورة حتمية.

 

هذا بجانب تعدد الأحداث المؤلمة دون إجراءات حاسمة، ومنها سقوط صخرة جبل المقطم في الدويقة، وغرق شباب في محاولات الهجرة غير الشرعية، وحوادث السكك الحديدية وغيرها، وكل ذلك أدى لوفيات كثيرة وترك آلاما في قلوب الشعب.

 

التوسع في استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، التي من خلالها بدأت الدعوة للتظاهر والاحتجاج للمطالبة بحقوقه المشروعة، كانت من المحركات الرئيسية للتظاهرات التي تحولت لثورة تطالب برحيل مبارك.

 

وقبل هذه المظاهرات بسنوات ظهرت لأول مرة حركات معارضة مثل 6 إبريل، وكفاية، وشخصيات ساهمت بشكل كبير في توجه الشعب ناحية الثورة، والتظاهر أملا في القضاء على هذه الانتهاكات.

 

ومع بداية الثورة التي كانت تطالب فقط بالتخلص من الفساد ورجال مبارك الذين سيطروا على مقاليد الأمور، جعلت الصدامات مع الشرطة مطالب الناس تتصاعد وتتجه للمطالبة برحيل مبارك.

 

سوريا: 

 

الثورة السورية انطلقت من احتجاجات شعبية عفوية سلمية في المناطق المهمشة عام 2011، تطالب بالحرية والكرامة، ووضع حد للقمع والفساد والدكتاتورية، لكنها سرعان ما عمت معظم مناطق سوريا.

 

ودفع المناخ الثوري الذي تشكل في عدد من الدول العربية أواخر 2010، السوريين إلى السير على هذا الدرب أملا في الخروج من حال الطغيان والفساد واحتكار السلطة، خصوصا بعد نجاح ثورتي تونس ومصر وبعدهما ليبيا واليمن في الإطاحة برؤوس أنظمة تلك الدول.

 

وحاول بعض النشاطين السوريين تنظيم عدة مظاهرات تضامنية مع ثورة 25 يناير المصرية بدأت في يوم 29 يناير 2011 واستمرت حتى 2 فبراير بشكل يومي في دمشق، إلا أن الأمن السوري اعترض المتظاهرين وسلّط الشبيحة عليهم.

 

وبدت إرهاصات الثورة السورية في 17 فبراير 2011 حين أغلق سوق الحريقة في العاصمة دمشق، وتجمهر التجار والأهالي في المناطق المحيطة بعد إهانة رجل أمن لابن أحد التجار، ورددوا لأول مرة هتاف "الشعب السوري ما بينذل".

 

وبعد خمسة أيام اعتصم عشرات السوريين أمام السفارة الليبية في دمشق تضامنا مع الثورة الليبية، وأطلقوا للمرة الأولى هتاف "خاين إللي بيقتل شعبه"، لكن قوات وأجهزة الأمن السوري سارعت إلى فض الاعتصام.

 

في 26 فبراير 2011، بدأ تلامذة درعا احتجاجا عفويا وكتبوا على جدران مدينتهم  شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، لكن النظام حول الأمر إلى دوامة من العنف وأطلق أجهزته الأمنية التي اعتقلت 15 طفلا.

 

في هذه الأثناء وسيرا على خطى مصر؛ ظهرت دعوات على موقع فيسبوك للتظاهر احتجاجا على الاستبداد والقمع والفساد وكبت الحريات، ولم يعرف من يقف وراء تلك الدعوات التي استجاب لها مجموعة من الناشطين يوم الثلاثاء 15 مارس 2011 في مناطق سورية مختلفة مثل حمص.

 

في يوم الجمعة 18 مارس 2011 كانت الانطلاقة الحقيقية للثورة السورية تحت شعار "جمعة الكرامة"، فنظمت مظاهرات في مدن درعا ودمشق وحمص وبانياس قابلها الأمن بوحشية -خصوصا في درعا- فسقط أربعة قتلى على أيدي قوات الأمن السوري في تلك المدينة، وتحولت المظاهرات طوال باقي أيام الأسبوع إلى أحداث دامية في محيط المسجد العمري ومناطق أخرى من مدينة درعا.

 

وفي 25 مارس انتشرت المظاهرات فعمت العشرات من مدن سوريا تحت شعار "جمعة العزة"، وشملت جبلة وحماة واللاذقية ومناطق عدة في دمشق وريفها كالحميدية والمرجة والمزة والقابون والكسوة وداريا والتل ودوما والزبداني، واستمرَّت بعدها في التوسع والتمدد شيئاً فشيئاً وأسبوعاً بعد أسبوع.

 

وحرص النظام السوري منذ البداية على حرف الثورة عن مسارها السلمي وإضفاء طابع عسكري دموي عليها لتحويلها إلى حرب داخلية وصراع استقطابي إقليمي مستفيدا من تناقضات مصالح الدول الكبرى، ولم يتردد في قصف المدنيين بالبراميل المتفجرة والأسلحة الكيميائية وحصار المدن والقرى المناهضة له.

 

 وبعد تفاقم حالات الانشقاق في الجيش السوري أعلـِن تشكيل أول تنظيم عسكري يوّحد هؤلاء العسكريين وهو "لواء الضباط الأحرار" ثم تلاه إعلان تشكيل "الجيش السوري الحر"، وأعلن التنظيمان تنفيذ عشرات العمليات ضد الجيش السوري أسفرت عن مقتل العشرات من كلا الطرفين.

 

اجتذبت الأزمة مقاتلين من لبنان والعراق بالتزامن مع تدخل إيران وحزب الله بالمال والخبرات والمقاتلين لصالح نظام بشار الأسد، وتطورت الأحداث في الجبهة المقابلة دافعة الثوار إلى التحالف في مواجهة النظام حينا والاقتتال فيما بينهم أحيانا، وأدى ذلك إلى اختفاء تنظيمات ونشوء أخرى.

 

اليمن:

 

قبل 2011، كانت الحياة السياسية في اليمن شبه معطلة، والنظام هو التجسيد الأبرز لحالة العبثية السياسية في طريقة إدارته للبلد، كان كل شيء جاهزا للانفجار، ولم يتبق سوى هامش عبثي تحاول المعارضة فيه دون جدوى.

 

وكان الفساد السياسي والاقتصادي يعصف بالنظام على كل المستويات، لدرجة عجزه كليا عن تجاوز أزماته الداخلية، وكل محاولاته أثبتت فشلها، وبدى واضحًا أن الأزمات المركبة تكشف عن أزمة في النظام، ولم يعد بالإمكان ترقيعها.

 

في تلك الأثناء كان المجتمع الداخلي يغلي، والأوضاع تتفاعل لتنتج شروط ثورة ستنفجر لاحقًا، في لحظة تقاطعها مع غليان الشارع العربي ككل.

 

وبدلًا من أن يستجمع النظام شجاعته ويطرح حزمة من الإصلاحات الجوهرية لتخفيف حدة الاحتقان ويدشن بداية جديدة، خرج مسؤولون رفيعون بتصريحات مستفزة، تضاعف أزمته الداخلية أكثر، ومن بينها تصريح رئيس الكتلة البرلمانية للحزب الحاكم آنذاك، سلطان البركاني، حول تعديل الدستور لـ"تصفير عداد" فترة رئاسة صالح المنتهية.

 

بالطبع، كان هذا الإجراء إعلانا، عن نوايا النظام لتأبيد نفسه في الحكم، وشكلت تلك التصريحات تعبيرًا صارخًا عن هزلية اللعبة بكاملها، وكاشفًا لعقلية النظام وطريقة تفكيره الكارثية، والأفق المظلم الذي ينوي إدخال البلد فيه، الأمر الذي ضاعف احتقان الشارع والنخبة السياسية المعارضة، لتكتمل عناصر الانفجار الشعبي.

 

كما أن الآفة التي عانت منها مختلف دول الربيع العربي لم تكن بعيدة عن اليمن، فقد كان الفساد والمحسوبية هم المسيطران على مؤسسات الدولة وتشكلت منظومة تخدم مصالح الطبقة الحاكمة والقوى الخارجية المهيمنة على حساب مصالح الشعوب المقهورة.

 

نظام الرئيس علي عبدالله صالح كان نظام مركب ذو إطار ديمقراطي فارغ، ومضمون حكم ديكتاتوري مستبد، وسيطرة على مصادر الثروة في البلاد، وهو ما جعل الحكم المستبد يتحول إلى حكم شبكة من المحسوبية والأقلية التي تهدر مصالح الأغلبية، الأمر الذي خلق حالة من الاستياء والتململ.

 

في يناير 2011، كانت المعارضة تخوض حوارًا عسيرًا مع النظام القائم، فيما كان النظام يحاول الهروب من أزماته الداخلية عبر الحديث عن إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية دون إصلاح الاختلالات الحاصلة في النظام الانتخابي، الذي كانت تطالب به المعارضة.

 

وبالطبع كانت الفترة الزمنية، التي تم بموجبها تأجيل الانتخابات البرلمانية عام ولمدة سنتين إضافيتين، قد شارفت على الانتهاء.

 

ورفضت المعارضة إجراء أي انتخابات قبل تنفيذ الإصلاحات، كون الذهاب لانتخابات بنفس النظام لن يعني أكثر من إعادة شرعنة للنظام الحالي، والسماح له بإعادة إنتاج نفسه، وهكذا ظلت الأمور تراوح مكانها، ولم يكن النظام قادرا على استشراف ما يتخلق في الأفق، حتى حدثت الثورة.

 

ليبيا:

 

الجماهيرية العربية الليبية، لم تكن تختلف كثيرا عن بقية دول الربيع العربي قبل هبوب الرياح، فقد عانت خلال حكم معمر القذافي من غياب الحياة السياسية، وداعبت الأحلام مخيلة الليبيين ببلد غني تسوده العدالة والمساواة والديمقراطية والتآخي.

 

وتأثرت الاحتجاجات بموجة الاحتجاجات العارمة التي اندلعت في الوطن العربي مطلع عام 2011 وبخاصة الثورة التونسية وثورة 25 يناير المصرية اللتين أطاحتا بالرئيس التونسي زين العابدين بن علي والرئيس المصري حسني مبارك.

 

وقاد هذه الثورة الشبان الليبيون الذين طالبوا بإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية، كانت الثورة في البداية عبارة عن مظاهرات واحتجاجات سلمية، لكن مع تطور الأحداث وقيام الكتائب التابعة لمعمر القذافي باستخدام الأسلحة النارية الثقيلة والقصف الجوي لقمع المتظاهرين العزّل، تحولت إلى ثورة مسلحة تسعى للإطاحة بمعمر القذافي الذي قرر القتال حتى اللحظة الأخيرة.

 

وبعد أن أتم المعارضون سيطرتهم على الشرق الليبي أعلنوا فيه قيام الجمهورية الليبية بقيادة المجلس الوطني الانتقالي، وفي يوم 20 انتفضت مدينة طرابلس وهي العاصمة الليبية، وأفلح شباب العاصمة بإسقاط العاصمة ونظام القذافي في تسع ساعات، وكان ذلك بسبب رفض الكتيبة المسيطرة على طرابلس القتال ورغبتها في حقن الدماء وبعدها في يومي 21 و22 أغسطس دخل الثوار إلى العاصمة طرابلس المحررة وقاموا بالسيطرة على آخر معاقل القذافي وقتل الأخير في سرت في 20 أكتوبر.

الربيع العربي
  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    اعلان