رئيس التحرير: عادل صبري 02:17 صباحاً | الأحد 07 مارس 2021 م | 23 رجب 1442 هـ | الـقـاهـره °

انقلاب بورما.. هل غادر الجيش السلطة كي ينقلب عليها؟

انقلاب بورما.. هل غادر الجيش السلطة كي ينقلب عليها؟

العرب والعالم

انقلاب بورما

انقلاب بورما.. هل غادر الجيش السلطة كي ينقلب عليها؟

عمر مصطفى 02 فبراير 2021 14:14

يثير الانقلاب العسكري الذي نفذه الجيش في بورما ضد الحكومة المدنية، العديد من التساؤلات حول الحاجة إلى ذلك التحرك العنيف فيما يحكم الجيش قبضته على السلطة بالفعل، من خلال تحكمه بمفاصل الاقتصاد وسيطرته على ربع مقاعد البرلمان، طبقا للدستور، فضلا عن إمساكه بمعظم الوزارات الحساسة، مثل الدفاع والداخلية والحدود.

 

ويتحدث محللون عن دوافع شخصية لقائد الجيش الجنرال "مين أونغ هلاينغ" الذي تولى مقاليد الحكم عقب الانقلاب، فالجنرال الذي يعد بمثابة الحاكم الفعلي للبلاد كان يستعد للتقاعد بعد عقد كامل من الإمساك بزمام الجيش والسلطة، وهو ربما لم يكن يفضل تلك النهاية الهادئة، ويرغب بقضاء مزيد من الوقت فوق سدة الحكم.

 

ويشير البعض إلى خشية هلاينغ من تقاعد غير مريح، في ظل ما تشهده البلاد من انفتاح على المجتمع الدولي، وتصاعد وتيرة انخراط بورما في التجارة الدولية، بعد عقود طويلة من العزلة بسبب الحكم العسكري القاسي وتجميد الحياة السياسية، ويخشى الجنرال القوي من أن يؤدي ذلك الانفتاح إلى مزيد من التآكل في شعبية ونفوذ الجيش، وصولا إلى تعديل الدستور وإلغاء النصوص التي تمنح القوات المسلحة وضعا مهيمنا على مقاليد الحكم.

 

ونجح الجنرال في الحفاظ على سلطة الجيش حتى في ظلّ انتقال ميانمار إلى الحكم الديمقراطي، لكنه واجه إدانات عالمية وعقوبات بسبب دوره المزعوم في مهاجمة الجيش للأقليات العرقية. ومع عودة ميانمار تحت قيادته إلى الحكم العسكري، يبدو أن مين أونغ هلاينغ يسعى لتوسيع سلطته وتحديد مستقبل البلاد القريب.

 

وفي أغسطس 2018 قال مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إنه "يجب التحقيق مع كبار الجنرالات العسكريين في ميانمار ، بمن فيهم القائد العام للقوات المسلحة الجنرال مين أونغ هلاينغ ، ومحاكمتهم بتهمة الإبادة الجماعية في شمال ولاية راخين، فضلا عن جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في ولايات راخين وكاشين وشان".

تراجع النفوذ

ويرى محللون أن نتيجة الانتخابات البرلمانية الأخيرة والهزيمة المنكرة التي مني بها حزب التضامن الوحدوي والتنمية الحاكم سابقاً الذي أسسه الجيش قبل أن يسلم السلطة رسمياً في 2011، ربما رأى فيها الجيش مؤشرا كافيا على تآكل شعبيته، بصورة ربما تشجع مستشارة الدولة "أون سان سوتشي"، زعيمة حزب "الرابطة الوطنية للديمقراطية" الحاكم، على المضي قدما في تقليص نفوذ الجيش، حيث لم يحصل حزب التضامن سوى على 33 مقعداً من 476 مقعداً، بخلاف نسبة الـ 25% المخصصة للجيش.

 

وقال كيم غوليف الباحث في العلاقات المدنية والعسكرية في ميانمار: "هناك سياسات عسكرية داخلية مبهمة للغاية، وقد يعكس هذا الانقلاب تلك الديناميكيات، وقد يكون نوعاً ما انقلاباً داخلياً، وربما طريقة الجيش في الحفاظ على السلطة داخله".

 

وتشير آي مين ثانت، الصحفية السابقة، إلى أنه قد يكون هناك سبب آخر للانقلاب العسكري يتمثل في الإحراج والإرباك الذي وقع فيه الجيش بعد النتائج الأخيرة، فهم "لم يكونوا يتوقعون الخسارة"، ولابد أن عوائل من يخدمون في الجيش قد صوتت ضدهم".

 

وتابعت ثانت لموقع بي بي سي: "عليك أن تفهم كيف ينظر الجيش إلى مكانته في البلاد، فوسائل الإعلام الدولية اعتادت الإشارة إلى أونغ سان سو تشي بوصفها "الأم" بالنسبة للأمة في ميانمار، لكن الجيش يعتبر نفسه "أباَ للأمة". ونتيجة لذلك، يحس الجيش بأن لديه "التزامات واستحقاقات" عندما يتعلق الأمر بالحكم، كما أنه لم يستسغ حقيقة أن البلاد باتت أكثر انفتاحاً على التجارة الدولية في الآونة الأخيرة.

 

وتضيف ثانت: "إنهم ينظرون إلى الغرباء بشكل خاص على أنهم يشكلون خطراً"، مرجحة أن الوباء والمخاوف الدولية بشأن حرمان الروهينغا من حق التصويت في انتخابات نوفمبر، ربما شجعت الجيش على التحرك الآن. ولكن رغم كل ذلك، لا يزال الأمر مفاجئاً".

دولة داخل الدولة

ويسلط الانقلاب الضوء مجددا على الجيش البورمي، الذي يعد بمثابة دولة داخل الدولة لما يمتلكه من قوة عسكرية واقتصادية. وقد رأى العالم مدى شراسة القوات البورمية في مطاردة الروهينغا وإبعادهم الى بنجلادش بمباركة الشركاء السياسيين، بما فيهم سان سوتشي، داعية السلمية وحقوق الإنسان.

 

وقد وجهت اتهامات لقادة الجيش بالإبادة الجماعية لما نفذوه من قتل ونهب واغتصاب وتنكيل بحق هذه الأقلية المسلمة. فمنذ الاستقلال في عام 1948، تعيش بورما تحت نير الجنرالات، وشهدت فترات تميزت بقمع وحشي وانتفاضات شعبية وانقلابات وتطهير داخلي.  

 

الرجل القوي في البلاد "مين أونغ هلاينغ" حدد دور القوات المسلحة بحماية البلاد والبوذية وكل ما يحيط بها من عادات وتقاليد، ما يعكس تقاليد مؤسسة عسكرية تم بناؤها على أساس أيديولوجية قومية متطرفة، لا تخلو من العنصرية وكراهية الأجانب.

 

وقوة الجيش البورمي ليست عسكرية فحسب، بل هي أيضًا اقتصادية. حيث يمتلك 14٪ من ميزانية الدولة. مع ذلك فإن تمويله يتخطى بكثير ما تشير إليه الأرقام الرسمية إذ يتهم بتهريب المخدرات، والدخول في منظومة الفساد، كما يستفيد من الأرباح التي تجنيها شركات مملوكة له إضافة الى نفوذ واسع في كل قطاع من قطاعات الاقتصاد البورمي.

 

سلطة جديدة

وفي سياق تطورات الانقلاب العسكري، أعلنت القيادة العسكرية في ميانمار، اليوم الثلاثاء، حل حكومة البلاد وتوقيف 24 وزيرا مع نوابهم عن العمل. جاء ذلك في بيان نُشر على قناة "مياوادي" التلفزيونية التي يديرها الجيش.

 

وأوضح البيان أن القيادة العسكرية في البلاد، عيّنت 11 وزيرا لإدارة شؤون البلاد كخطوة أولى. وأشار إلى أن القيادة العسكرية عينت حاليا وزراء للخزانة والإعلام والخارجية والدفاع وأمن الحدود والداخلية.  كما تم تعيين الجنرال السابق ميينت سوي رئيسا بالوكالة، لتعود البلاد مجددا إلى الحكم العسكري المباشر.

 

وتزامن الانقلاب مع أول جلسة مقررة لمجلس النواب المنبثق عن الانتخابات التشريعية الأخيرة، هي الثانية التي تجري منذ انتهاء الحكم العسكري عام 2011. وكان الانقلاب مرتقبا منذ أيام، ومع ذلك، أثار حدوثه صدمة في بورما إذ أُغلقت الطرقات المؤدية إلى مطارها الدولي الرئيسي وقطعت الاتصالات ليعود البلد إلى عزلته بعد عقد فقط من خروجه منها.

هزيمة مدوية

وفاز حزب سو تشي بأكثر من 80 في المئة من مقاعد البرلمان الشاغرة، وهي نسبة بدت غير مقبولة بالنسبة للجيش الذي حافظ على المناصب الأهم في الحكومة وعلى سلطة اتّخاذ جميع القرارات الأمنية والدفاعية وبـ25 في المئة من مقاعد البرلمان المخصصة له حصرا. وعلى مدى أسابيع، تحدّث الجيش عن وجود مخالفات في عملية التصويت وطالب لجنة الانتخابات بنشر قوائم الناخبين بينما هدد قائد الجيش مين أونغ هلينغ بإلغاء دستور البلاد.

 

لكن البلد حيث سحق الجيش بعنف في الماضي الحراك المطالب بالديموقراطية بات على "حد السكين"، بحسب المحلل المستقل ديفيد ماثيسون، الذي لفت إلى أن الملايين ممن صوّتوا لصالح حزب سو تشي سيشعرون "بالغضب والخوف من عملية انتزاع للسلطة تهدد بهدر مكتسبات السنوات العشر الماضية".

 

واستند الجيش في تبرير انقلابه على المادة 417 من دستور البلاد، والتي تسمح للجيش بتولي زمام الأمور في أوقات الطوارئ. ووصفت منظمة "هيومان رايتس ووتش" هذا البند بأنه "وسيلة محتملة لتحقيق الانقلاب".

 

وقال تليفزيون الجيش إن أزمة الفيروس وفشل الحكومة في تأجيل انتخابات نوفمبر من أسباب إعلان الطوارئ. ويرى الجيش الذي يقف وراء صياغة دستور 2008 والديمقراطية الناشئة أنه حامي الوحدة الوطنية والدستور، واحتفظ لنفسه بدور دائم في النظام السياسي.

 

ويقول الدستور إنه لا يحق للقائد العام للجيش أن يتولى السلطة إلا في ظروف استثنائية قد تفضي إلى "تفكك الاتحاد وتفكك التضامن الوطني وفقدان السلطة السيادية"، على ألا يحدث ذلك إلا في حالة الطوارئ التي يمكن فقط لرئيس مدني أن يعلنها.

سحق الدستور

وأثار هلينغ الحيرة الأسبوع الماضي عندما قال لمجموعة من أفراد الجيش إن الدستور "هو القانون الأم لكل القوانين"، ويجب إلغاؤه إذا لم يتم الالتزام به، واستشهد بمواقف سابقة حدث فيها ذلك في ميانمار.

 

ومنذ عام 1962 حكمت بورما من قبل ديكتاتورية عسكرية ماركسية بعد انقلاب سيطر من خلاله "ني وين" على الحكم من عام 1962 إلى عام 1988. وشغل حينها ني وين منصب رئيس الوزراء ورئيس الدولة وزعيم الحزب الوحيد آنذاك، حزب البرنامج الاشتراكي البورمي.

 

وأعقب استقالة "ني وين" خلال أحداث عام 1988 استيلاء المجلس العسكري، على السلطة، من خلال ما عرف باسم "مجلس الدولة"، والذي أطلق عليه في عام 1997 اسم مجلس الدولة للسلام والتنمية.

 

وبعد فوز حزب المعارضة بقيادة أونغ سان سو كي (الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية) بالانتخابات التشريعية في مايو 1990 بأكثر من 80٪ من الأصوات لصالحه، فاجأ الأمر المجلس العسكري الذي كان يأمل في إضفاء الشرعية على قوته، فقرر ابطال الانتخابات.

 

وتعرض المجلس العسكري لمعضلة كيفية التعامل مع "أونغ سان سو كي"، التي كانت تحظى بشعبية كبيرة في العالم منذ حصولها على جائزة نوبل للسلام في عام 1991، إضافة إلى أن شعبيتها ومكانتها باعتبارها ابنة البطل القومي أونغ سان منحتها بعض الحماية، في الوقت الذي كان المجلس العسكري يرغب بالتخلص منها. في مواجهة هذه المعضلة، وضعها المجلس العسكري رهن الإقامة الجبرية في عدة مناسبات.

 

وتصنف المنظمات الحقوقية الدولية بورما بين أسوأ دول العالم من حيث الحريات العامة: حرية الصحافة وحقوق الإنسان غير موجودتين، والقضاء ليس مستقلاً عن السلطة التنفيذية، أما احزاب المعارضة فهي محظورة.

 

مستقبل قاتم

ويشعر الخبراء  بالحيرة في تفسير سبب تحرك الجيش في هذا التوقيت بالضبط، إذ يبدو أنه لن يجني إلا القليل.

 

وقال الدكتور جيرارد مكارثي، الباحث بمعهد الأبحاث الآسيوية في جامعة سنغافورة الوطنية ، لبي بي سي: "النظام الحالي مفيد جداً للجيش: فهو يتمتع فيه باستقلالية تامة لقيادته، ولديه استثمارات دولية كبيرة تحقق مصالحه التجارية وبغطاء سياسي من المدنيين لجرائم الحرب".

 

وأضاف "أن الاستيلاء على السلطة لمدة عام كما أعلن الجيش، سيبعد الشركاء الدوليين غير الصينيين، ويضرّ بمصالح الجيش التجارية ويصعّد من مقاومة ملايين الأشخاص ممن ساعدوا في تنصيب سو تشي، والرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية، في السلطة وقيادتها للبلاد فترة حكم أخرى".

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    اعلان