رئيس التحرير: عادل صبري 09:33 صباحاً | السبت 26 سبتمبر 2020 م | 08 صفر 1442 هـ | الـقـاهـره °

فاتكا الأمريكى يخترق "السرية المصرفية" ويعدل خريطة العالم الاستثمارية

لبنان يوافق على كشف سرية الحسابات البنكية..

فاتكا الأمريكى يخترق "السرية المصرفية" ويعدل خريطة العالم الاستثمارية

الأناضول 22 سبتمبر 2014 17:57

بعد نحو 58 عاماً على تطبيق قانون "السرية المصرفية" التي ساهمت بازدهار القطاع المصرفي والنمو المتقدم للاقتصاد الوطني، بدأ لبنان برفع هذه "السرية" عن حسابات حاملي جوازات السفر الأمريكية والبطاقة الخضراء (Green Card)، تنفيذاً لقانون الامتثال الضريبي (فاتكا) الذي تفرض الولايات المتحدة بموجبه وبالقوة الاقتصادية، سيطرتها على القطاع المالي العالمي.


 

وأعلنت الإدارة الأمريكية عن رضاها لتجاوب لبنان السريع في تطبيق قانون "فاتكا"، وأبدى دانيال غليزر نائب وزير الخزانة والمسؤول عن ملف العقوبات ومكافحة غسل الأموال، ارتياحه المطلق إلى عمل المصارف اللبنانية، مشيدا بدور أجهزة الرقابة لدى البنك المركزي اللبنانى، كذلك وصف المجلس الدولي للضرائب في واشنطن (IRS) لبنان، بأنه من الدول السباقة في اتخاذ الإجراءات اللازمة لتطبيق القانون الأمريكي.


 

وتشمل هذه الإجراءات تحديث المعلومات العائدة لزبائن المصارف، وأهمها توجيه سؤال رئيسي إذا كان العميل يحمل جواز سفراً أمريكياً أو البطاقة الخضراء، وفي حال الإيجاب، يبلغه المصرف المعني بانه يخضع لقانون "فاتكا"، وعليه أن يوقع على نموذج إذن برفع "السرية المصرفية" عن حساباته، وإرسال المعلومات المفصلة إلى وزارة الخزانة الأمريكية، وادا رفض التوقيع، يضطر المصرف إلى إقفال حساباته ووقف التعامل معه، أما في حال أجاب العميل على السؤال بالنفي، أي أنه ليس أمريكياً، وبما أن كل المعلومات سترسل إلى الإدارة الأمريكية، وفي حال تبين أنه "كاذب"، وهو أمريكي، عندها يحال ملفه إلى هيئة التحقيق الخاصة في البنك المركزي لتطبيق العقوبات بحق العميل المخالف، وتصل عقوبة عدم الإقرار المالي من دافعي الضرائب إلى نحو 100 ألف دولار أو نسبة 50% من رصيد الحساب غير المصرح عنه، إضافة إلى العقوبات والغرامات التي يمكن أن تفرض لعدم دفع الضريبة المستحقة، وتختلف العقوبة بحق المصارف أو المؤسسات المالية المخالفة، حيث تصل إلى حجز 30% من قيمة الأموال الناتجة من عملياتها في الولايات المتحدة.


 


 

التعاون الدولي


 

في محاولة من البنك المركزي اللبناني للتخفيف من وطأة المس بالسرية المصرفية، أوضح الدكتور محمد بعاصيري النائب الثالث لحاكم مصرف لبنان، "أن السرية المصرفية يجب أن لا تشكل حاجزاً او عائقاً للتعاون الدولي، وأن تطبيق قانون (فاتكا) يطلب الحصول على إذن من العميل برفع السرية عن حساباته لمصلحة السلطات الضريبية الأمريكية تحديداً".


 

وأضاف بعاصيري: "أن المصارف اللبنانية تلتزم بتطبيق هذا القانون بحكم التعاون الدولي في جميع المجالات، وتجنبا للعقوبة القاضية باقتطاع 30% من التحويلات الواردة إلى المصرف المخالف من الولايات المتحدة، وتالياً يمكن وقف التعامل مع المصرف المعني من قبل النظام المصرفي الأمريكي والمصارف الدائرة في فلكه".


 

ويرى بعاصيري أن العقوبة الأخطر من العقوبة المالية، تكمن في قدرة البنك الأمريكي المراسل للمصرف صاحب المخالفة على وقف العمل معه ، وعدم تسهيل عملياته المالية والمصرفية مع المؤسسات الأجنبية، فضلاً عن ضغوط ونفوذ السلطات الأمريكية للتأثير على درجات التقييم الائتماني على تلك المصارف.


 

وهكذا يرى بعض المصرفيين في لبنان، أن تنفيذ المصارف لتعليمات قانون "فاتكا" لا يخرق السرية المصرفية، حيث يجري الطلب من العميل التوقيع على رفع السرية عن حساباته لصالح (IRS)، وهي لا تشكل خرقاً للسرية عملاً بإحكام المادة الثانية من قانون السرية المصرفية اللبناني الصادر في العام 1956.


 

ومهما كانت النتائج، فقد أكد لبنان تعاونه الدولي، ووقعت نحو 122 مؤسسة لبنانية بالتزامها موجبات قانون "فاتكا"، وإذا كان الدور الأساسي للمصارف يتعلق بعملية التصريح عن حسابات العملاء بالتفصيل، فان دور البنك المركزي يتم من خلال هيئة التحقيق الخاصة التي تتحرك في حال ورود اي بلاغ من السلطات الضريبية الأمريكية عن شكوك لحسابات معينه.


 

بدأ مفعول القانون الأمريكي منذ أول عام 2013، لكن تطبيقه يمتد إلى سنوات عدة، وعلى مراحل:


 

في 15 يوليو 2013، تم تسجيل اتفاقيات المؤسسات المالية الأجنبية عبر الإنترنت، وهي المؤسسات التي ستتعاون بشأن الضريبة مع الجهات الأمريكية.

في أول يناير2014 بدأت خضوع العملاء الجدد للقانون.

في أول يوليو 2014 بدأ احتساب الضريبة لغير المشاركين من المؤسسات المالية الأجنبية.

في نهاية ديسمبر 2014 تبدأ عملية إصدار التقارير الأولية لهيئة الضرائب الأمريكية.


 

ـ في نهاية ديسمبر 2015، تبدأ إجراءات إنجاز معيار معرفة العميل لجميع العملاء الحاليين الذين تزيد ميزانيتهم على الحد الأدنى من المبلغ المفروض كما في 31 ديسمبر 2014.


 


 


 

المصارف العربية


 

إذا كان لبنان سباقاً إلى التعاون الدولي، وهو جزء من الوطن العربي، فإن المصارف العربية ليست أقل منه حماسة، وقد أنجزت تسجيلها بنجاح من خلال البوابة الإلكترونية للقانون الأمريكي على موقع مكتب الإيرادات الضريبية على الإنترنت، في حين أعلن عدد من الحكومات الخليجية والعربية مثل البحرين والسعودية عن توقيع اتفاقات ثنائية مع الحكومة الأمريكية لتطبيق القانون، وقد ظهرت المصارف الخليجية على أول قائمة أصدرها مكتب الإيرادات مطلع يوليو 2014 للمؤسسات المالية الأجنبية المشاركة في برنامج قانون "فاتكا"، ما يعكس مدى التطور المالي والتقني الذي حققته البلدان الخليجية في مجال الخدمات المصرفية والمالية ومواكبتها لمختلف التطورات النقدية والمالية العالمية.


 

وبما أن الامتثال للقانون الأمريكي ينطوي على تكاليف تشغيليه كثيرة ناجمة عن تعديل إجراءات فتح الحسابات الجديدة ومتابعتها ومراقبتها والتدقيق بها، وأنظمة معالجة المعاملات وإجراءات التعرف إلى الزبون التي تستخدمها المصارف الأجنبية، وتكاليف التوعية وإنشاء وحدة خاصة بالامتثال للقانون يعمل فيها موظفون أكفاء وذوو خبرة وغيرها، فقد تحرك كثير من المصارف العربية لدى المصارف المركزية لإقناع حكوماتها بالدخول في اتفاقات مباشرة مع الخزانة الأمريكية لتنفيذ القانون، ولذلك فضلت الحكومات الخليجية التوقيع على اتفاقات مع الحكومة الأمريكية ما سينعكس إيجاباً على مهمات المصارف المحلية في الالتزام بالقانون، خصوصاً أن المصارف المركزية الخليجية كانت رائدة دوماً في إدخال التشريعات والقواعد التنظيمية العالمية الجديدة، كما أن التنوع في الصناعة المصرفية الخليجية يحتم التعامل معها وفق احدث القواعد المصرفية، ما يسهل عمل المصارف العاملة ويمكنها من مواصلة أداء أدوارها الحيوية، وهذا النموذج سبق أن طبقته دول أجنبية مثل بريطانيا وأيرلندا وألمانيا وأسبانيا والنرويج وآيسلندا وسويسرا والمكسيك والدانمارك، وهناك 60 دولة تفاوض للدخول فيه، وهو يتطلب أن تؤدي الحكومات المحلية دوراً أكبر في تطبيق القانون من خلال توقيعها بدلا من المصارف اتفاقات التعاون مع الحكومة الأمريكية.


 

ولكن في الوقت الذي بدأت فيه المصارف العربية تطبيق قانون "فاتكا" ، تسيطر على الإدارة الأمريكية هواجس مقلقة تتعلق بعمل "المصارف المراسلة"، ولا سيما حيال الشكوك بعمليات مشبوهة تمر عبر بعض المصارف الصغيرة التي لا تتمتع باعتمادات كبيرة، واستناداً إلى تقرير غرفة التجارة الدولية ، فقد رفضت اكثر من 68% من العمليات مع المصارف المراسلة، إضافة إلى إغلاق حسابات مصرفية عدة، كما أن كثرة القوانين والتشريعات الصادرة عن السلطات الأمريكية، وضعت ضغوطاً كبيرة على المصارف العربية، وخصوصاً على قطاعي الالتزام والمخاطر، اذ يتوجب على مدير الالتزام أن يتابع ويدقق بشكل كبير جميع العمليات المصرفية والودائع لكي يتحقق من سلامتها، والتأكد من انها تتوافق مع قوانين مكافحة تبيض الأموال وتمويل الإرهاب والامتثال الضريبي ، وبدأت الإدارة الأمريكية وضع آليات جديدة لمراقبة أداء المصارف العالمية، ومنها "المصارف المراسلة"، وفرضت حظراً على المصارف التي لا تتمتع برأسمال كبير يضمن لها البقاء خارج إطار الصفقات المشبوهة.


 

ولذلك تقرر أن يتم مناقشة هذه التطورات في المؤتمر العربي الأمريكي الذي سيعقد في نيويورك في يومي 14 و 15 أكتوبر 2014، وهو مخصص للبحث في ملف العلاقات بين المصارف العربية والمصارف الأمريكية ، خصوصاً بعد إقفال الكثير من حسابات المصارف العربية من بعض المصارف الأمريكية ، تحت ضغط المتطلبات المستجدة لبعض القوانين والأنظمة الصادرة عن السلطات الأمريكية.


 

وتبرز أهمية هذا المؤتمر من خلال أهمية قادة المؤسسات المشاركين فيه ، ومنهم الرئيس التنفيذي للبنك الاحتياطي الفيدرالي توماس باكستر، ونائب وزير الخزانة الأمريكية المسؤول عن ملف العقوبات دانيال غليزر على راس عدد من كبار المسؤولين عن منطقة الشرق الأوسط ووسط آسيا في صندوق النقد الدولي، وعدد من كبار القادة المصرفيين العرب، وسيكون المؤتمر فرصة سانحة لممثلي المصارف العربية للجلوس مع صانعي ومنفذي القرار الاقتصادي والمالي في الولايات المتحدة، والذين يخططون السياسات التي تتحكم بالأسواق المالية العالمية، وشرح وجهة النظر العربية في مختلف القضايا المطروحة.


 


 

تغيير خارطة الاستثمار

على الرغم من التزام الدول العربية والمصارف العاملة لديها بكشف "السرية المصرفية" عن حسابــات الأمريكيين في الخـارج عن طريق إذن فـردي مـن العميل المعني، فهي تواجه قلقاً كبيراً من مخاطر تداعيات الضربة الموجعة التي تلقتها أهم ميزة يتغنى بها كثير من دول العالم التي تعتمد عليها لجذب رؤوس الأموال، الأمر الذي قد يؤدي إلى تغييرات كبيرة في تنقل الودائع وخارطة الاستثمارات العربية والعالمية، لاسيما أن البعض يصف اختراق قانون "فاتكا" لـ"السرية المصرفية"، هو اختراق سيادي لقوانين العديد من الدول.


 

ولعل لبنان هو أول المتضررين من اختراق "سريته المصرفية" التي بدأ تطبيقها في العام 1956 ، وساهمت في تقدمه وازدهاره المصرفي والاقتصادي طوال السنوات الماضية، حتى تمكن من استقطاب أموال ساهمت بمضاعفة ودائع جهازه المصرفي إلى 140 مليار دولار، وحجم موجوداتها إلى 160 مليار دولار، أي ما يعادل نحو أربعة أضعاف حجم اقتصاده البالغ 40 مليار دولار.


 

أما بالنسبة لسويسرا والتي جعلتها "السرية المصرفية" ملاذا ضريبياً بامتياز لسنوات طويلة ، فتعرضت لهزة قوية ، جراء الضغوط الأمريكية قبل تطبيق قانون "فاتكا" وبعده، وقد تراجعت القيمة الإجمالية لأموال رجال الأعمال الأجانب المودعة في المصارف السويسرية إلى 200 مليار فرنك فقط، من نحو 800 مليار فرنك كانت قبل خمس سنوات، ويقدر محللون القيمة الاجمالية التي عادت إلى أوطان المودعين مقابل ضمانات بعدم مسها بنحو 350 مليار فرنك، ويتوقعون خروج نحو 70 مليار فرنك إضافية من خزائن المصارف السويسرية الى وجهات خارجية حتى نهاية سنة 2014، مع الإشارة أيضا "إلى تراجع عدد المصارف العاملة في سويسرا من 185 مصرفاً في العام 2008 إلى 151 مصرفاً حالياً ، ويتوقع أن ينخفض اكثر بنسبة تتراوح بين 20 و 25 في المائة في السنوات المقبلة .


 

واذا كان قانون "فاتكا" سيكون له مفعول إيجابي على صندوق الضرائب الأمريكي وقد تأتي بإيرادات تقدر بأكثر من 800 مليار دولار على مدى السنوات العشر المقبلة، فإن بعض الدراسات إشارات إلى أنه قد يكلف القطاع الخاص الأمريكي مبالغ كبيرة تتجاوز هذا الرقم المقدر استيفاء لدى مصلحة الضرائب، مع التأكيد على أن تراجع الاستثمار المباشر في الولايات المتحدة والذي يمثل تراكم 3.7 تريليون دولار، سيتأثر سلباً في نمو الاقتصاد وجذب الشركات الأجنبية للاستثمار داخل أمريكا، وفي ظل حرية تنقل رؤوس الأموال من الداخل إلى الخارج، فضلاً عن أحواء يعاني فيها الاقتصاد الأمريكي من بطء في النمو ونسب بطالة غير مرضية ومن ارتفاع العجز التجاري المتزايد، كلها عوامل تقول بان قانون "فاتكا" جاء في وقت غير مناسب.


 

ومع استعداد الآلاف من حاملي جوازات السفر الأمريكية، للتنازل عن جنسيتهم تهرباً من قانون "فاتكا"، لا بد من التوضيح أن ذلك لا يسقط عنهم الضرائب المستحقة عليهم حتى تاريخ تنازلهم عن الجنسية الأمريكية، بل سيطلب منهم دفع كل المستحقات إضافة إلى الفوائد والغرامات.


 

اقرأ أيضًا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    اعلان