رئيس التحرير: عادل صبري 07:11 صباحاً | الخميس 13 أغسطس 2020 م | 23 ذو الحجة 1441 هـ | الـقـاهـره °

العلاقات الاقتصادية بين مصر ورسيا تُؤتي أُكلها بعد حين

العلاقات الاقتصادية بين مصر ورسيا تُؤتي أُكلها بعد حين

أخبار مصر

شيوجو والسيسي

العلاقات الاقتصادية بين مصر ورسيا تُؤتي أُكلها بعد حين

الأناضول 14 نوفمبر 2013 15:43

زيارة وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، ووزير الدفاع الروسي سيرجي شيوجو، لمصر ولقائهما بنظيريهما المصريين لإجراء مباحثات رفيعة المستوي، اليوم الخميس، أثارت تساؤلات المراقبين..

خاصة في ظل الحديث الدائر عن صفقة سلاح بقيمة تصل إلى 4 مليارات دولار، فبينما راح البعض إلى أن مزاج النظام الجديد في القاهرة يدفعها إلى أحضان الدب الروسي، ليستعيد علاقات حقبة الجنرال جمال عبدالناصر في ستينيات القرن الماضي، يرى البعض أن عودة المياه الراكضة منذ أكثر من 5 عقود، أمر مستبعد حدوثة بهذه السرعة.

 

وفي إطار زيارة وزيري الدفاع والخارجية الروسيين لمصر على مدار يومي الأربعاء والخميس 13 و14 نوفمبر الجاري، تتم الإشارة إلى إمكانية عقد صفقات اقتصادية بين البلدين، وأن ثمة تحولا منتظرا في وجهة مصر الاقتصادية والعسكرية من أمريكا والغرب إلى روسيا، ويحاول البعض تزكية هذا التوجه بالحديث عن العلاقات المصرية السوفيتية التي تجلت في فترة الستينيات.

 

 إلا أن خريطة العلاقات الاقتصادية المصرية الروسية خلال الفترة الماضية، لا تعكس وجود حقيقي بين البلدين على الصعيد الاقتصادي، لا من حيث حركة الصادرات والواردات، ولا من حيث حجم وطبيعة الاستثمارات المتبادلة، ولا في إطار الجانب المالي المتمثل في مساهمة أي من البلدين في طبيعة الديون الخارجية لكليهما.

 

ولابد أن نأخذ في الاعتبار أن روسيا باعتبارها أحد أعضاء مجموعة البريكس، تركز على زيادة حجم التبادل التجاري البيني مع أعضاء المجموعة، ومن جهة أخرى فإنها بحاجة كبيرة لزيادة علاقاتها التجارية والاقتصادية مع أمريكا وأوروبا باعتبارهما أكبر الأسواق العالمية، المستهدفة من قبل روسيا وباقي أعضاء مجموعة البريكس التى تضم الى جانب روسيا الصين والهند وجنوب افريقيا والبرازيل.

 

إن أهم ما استدعى الحضور الروسي لمصر، هو الدافع السياسي، حيث التقت وجهتي نظر روسيا ومصر عقب احداث 30 يونيو وبعد عزل الجيش الرئيس محمد مرسى فى الثالث من يوليو 2013، تجاه القضية السورية، وكذلك محاولة مصر إعطاء صورة للخارج وكأنها تحدث توازن في علاقاتها الخارجية.

 

ولكن في إطار قراءة اقتصادية بحتة لموقف روسيا السياسي تجاه قضايا المنطقة العربية المختلفة، فإنها كانت تغير وجهة نظرها تحت الضغوط الغربية والأمريكية نظير مصالح اقتصادية، كما حدث في الحاق روسيا بعضوية منظمة التجارة العالمية، إبان تغير موقفها من الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003.

 

وقبل أن نستشرف مستقبل العلاقات الاقتصادية المصرية الروسية، يمكن أن نعرض لواقع تلك العلاقات من خلال مجموعة من المؤشرات، التي تساعد في قراءة المستقبل سواء في الأجل القصير أو المتوسط أو الطويل.

 

علاقات ضعيفة

 

ثمة ملحوظة مهمة على طبيعة العلاقات الاقتصادية المصرية الروسية خلال الفترة الماضية، حيث كانت مصر لديها تركيز شديد في علاقاتها الاقتصادية مع أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي على مدار العقود الأربعة الماضية، وحتى بعد ثورة 25 يناير 2011، لم تشهد علاقات مصر الاقتصادية الخارجية أية تغير على ما هو قائم منذ أربعة عقود.

 

    من إجمالي نحو 80 مليار دولار، كحجم للتبادل التجاري الخارجي لمصر، لا تزيد قيمة التبادل التجاري لمصر مع روسيا وفق بيانات البنك المركزي، عن 2.8 مليار دولار في العام المالي 2011-2012، منها 2.5 مليار دولار قيمة واردات روسية لمصر.

 

ومن هنا لا تمثل حركة التجارة بين البلدين إلا ما يعادل نسبة 3.5% من إجمال تجارة مصر الخارجية. وتمثل سلعة واحدة صلب العلاقة التجارية بين مصر وروسيا، وهي القمح، أما صادرات مصر من الموالح والبطاطس لروسيا فقيمتها محدودة لا تتجاوز في أحسن الأحول 100 مليون دولار في العام.

 

في حين نجد أن الاتحاد الأوروبي يستحوذ على ما نسبته 40.7% من الصادرات المصرية، كما تمثل واردات مصر من الاتحاد الأوروبي 32.9% من إجمالي واردتها في عام 2011/2012.

 

    ومن خلال قراءة مكونات الدين الخارجي لمصر نجد أن روسيا لا تمثل أية مساهمة في هذا الدين، لا من حيث وجود العملة الروسية، ولا من حيث قيمة الدين نفسه، فبيانات تقرير البنك المركزي المصري لعام 2011/2012، تشير إلى أن العملات الرئيسية في الدين الخارجي المصري هي الدولار بنسبة 43.7%، واليورو 24.4%، والين الياباني 12.7%، والدينار الكويتي 6.5%، ولعل وجود الدينار الكويتي أحد العملات المقوم بها جزء من الدين الخارجي لمصر، يسقط حجة أن الروبل الروسي ليس عملة دولية.

 

 أما إذا تناولنا أهم الجهات الدائنة لمصر فتأتي المؤسسات الدولية والإقليمية كأكبر دائن بنسبة تبلغ 32.2% من حجم الدين الخارجي المصري، ثم اليابان 12.2%، ثم المانيا 9.7%، ثم فرنسا 8.6%، ثم أمريكا 8.5%، وبالتالي فروسيا بعيدة تمامًا عن أية مساهمة بارزة في المديونية الخارجية لمصر.

 

    وعلى صعيد الاستثمارات البينية لمصر وروسيا، فإننا أمام أرقام هزيلة، قد تمثل العلاقة بين شركتين، وليس بين دولتين، فالبيانات المنشورة بهذا الخصوص تبين أن حجم الاستثمارات الروسية في مصر منذ عام 2000 – 2012 كانت بحدود 84.8 مليون دولار، بينما قدرت الاستثمارات المصرية في روسيا بنحو 14 مليون دولار.

 

 وتتركز الاستثمارات الروسية بشكل رئيسى في قطاع السياحة، وإن كانت تتوزع على مجالات أخرى بنسب بسيطة في النشاط الصناعي والزراعي والاتصالات والمعلومات والإنشاءات.

 

وقدر عدد الشركات الروسية في مصر بنحو 636 شركة، وكان ينتظر في ظل هذا العدد من الشركات أن تكون الاستثمارات الروسية في مصر أكبر مما هي عليه بكثير، وبخاصة أن مصر شهدت خلال العقد الأول من الألفية الثالثة تدفقات جيدة للاستثمارات الأجنبية المباشرة، وأعطيت مميزات كبيرة لهذه الاستثمارات، استفادت منها بشكل كبير الاستثمارات الغربية والأمريكية وكذلك الأسيوية.

 

ولكن الملاحظ أنه في عام 2007 خصصت منطقة صناعية لروسيا في مدينة برج العرب، ولم تقم روسيا بضخ أية استثمارات في المنطقة، وهو ما يفسر انصراف روسيا عن الاستثمار في مصر خلال الفترة الماضية.

 

    السياحة الروسية تمثل أحد مجالات اهتمام وزارة السياحة المصرية، وقد قدرت أعداد السائحين الروس في عام 2010 بنحو 2.8 مليون سائح من إجمالي 14.5 مليون سائح، أي قرابة 20% من إجمالي السياحة في مصر، وتنشط مصر خلال هذه الأيام لاستعادة السياحة الروسية، التي تتركز في مناطق شرم الشيخ والغردقة.

 

توقعات المستقبل

 

يمكن القول أن العلاقات الاقتصادية الروسية، لن يكون لها أثر إيجابي في الأجل القصير، نظرًا لتدني حجم العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين، ويتطلب إحداث تحول ملموس في هذه العلاقة، إلى فترة زمنية تسمح بتغيرات هيكلية، وبخاصة أن كلا الدولتين يعدان من دول المحاور، وليسا من دول المراكز في مجال التجارة الدولية.

 

ويجب ألا يغيب عنا ونحن نرى إعادة تقسيم المنطقة اقتصاديًا وسياسيًا، أن الوجود الروسي في مصر قد يكون في إطار تعويض روسيا عن وجودها في سورية بعد تسوية مرتقبة للأزمة السورية، ولكن هذا التواجد سيكون بحساب في إطار توازن القوى، فالوجود الروسي في سورية لم يؤد في أية لحظة إلى تغيير إيجابي لصالح سورية في مواجهة إسرائيل، أو غيرها من القوى الإقليمية الأخرى.

 

والتعويل على التسليح الروسي لمصر خلال المرحلة القادمة، يحتاج إلى إعادة حسابات اقتصادية بحتة، لاعتبارات التمويل وكذلك الجانب التكنولوجي، فالصين تأتي في المرتبة الثانية بعد أمريكا والغرب في مجال تطوير السلاح، وأن ما تمتلكه روسيا في هذا الإطار لا يعدو أن يكون مجرد إنتاج كمي، لا يصلح لتغيير معادلة التسليح في مصر، واستبدال المنظومة الأمريكية بأخرى روسية.

 

كما أن الجانب المالي لمصر في الفترة الحالية ولسنوات قادمة سيكون محدد لعقد أية صفقات تجارية مع الخارج، سواء كانت للتسليح أو لغيره، حيث تزداد التزامات مصر المالية داخليًا وخارجيًا بشكل كبير، وحتى تلك الصفقة التي تناولتها بعض وسائل الإعلام عن توريد سلاح روسي لمصر بحدود 4 مليار دولار، فإننا أمام توقع أن تقوم دول الخليج بدفع فاتورة هذه الصفقة، سواء في شكل قرض أو منحة لمصر، ولكن لابد أن نأخذ في الاعتبار أن هذا التمويل سيكون لصفقة، وليست له صفة الديمومة، وهو ما يجعلنا نتوقف كثيرًا، أمام معضلة التمويل في مستقبل العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

 

حتى وإن استطاعت مصر التغلب على مشكلة التمويل في شأن صفقة التسليح المتوقعة، فإنها أمام استحقاق أخر أمام المؤسسات الدولية، والتي يعرف الجميع أن مفاتيح اتخاذ القرار بداخلها تعود بالدرجة الأولى لأمريكا والاتحاد الأوروبي، وأن جهود مبذولة من قبل دول البريكس لتغير آلية العمل داخل هذه المؤسسات، ولكن هذه الجهود لم تؤت ثمارها بعد.

 

ورغم ما قيل عن الأداء الاقتصادي القوي لروسيا وقدرتها على مساعدة دول أخرى مثل مصر، فلا ننسى أن روسيا كانت مرشحة بقوة لشبح الأزمة المالية التي أطاحت بالعديد من الدول الغربية، كما تعتمد روسيا بشكل كبير في أداءها الاقتصادي على الاندماج في الاقتصاديين الأمريكي والغربي، حيث تصل صادرات روسيا من النفط والغاز قرابة 70% من إجمالي صادراتها السلعية، تتجه في الغالب لأوروبا واليابان.

 

في الختام يمكننا القول بأن التعاون المصري الروسي في المجال الاقتصادي سيكون محدود خلال الفترة القصيرة والمتوسطة القادمتين، وهو الأمر الذي تؤكده شواهد وإمكانيات الدولتين، وأن ما يعلن من محاولات تضخيم الأمر على أنه تحول تاريخي في مسار العلاقات الاقتصادية بين البلدين لا يعدو أن يكون أكثر من زخم إعلامي، يواكب حاجة الطرفين سياسيًا.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    اعلان