رئيس التحرير: عادل صبري 07:27 مساءً | الخميس 09 أبريل 2020 م | 15 شعبان 1441 هـ | الـقـاهـره °

ثورة السيسي الدينية.. عام من تأميم الشأن الديني

ثورة السيسي الدينية.. عام من تأميم الشأن الديني

تحليلات

ثورة السيسي الدينية .. عام من تأميم الشأن الديني

عام من السيسي (17)

ثورة السيسي الدينية.. عام من تأميم الشأن الديني

إبراهيم السيد 30 يوليو 2015 17:09

في سياق تتصارع فيه النماذج المعرفية طفت على السطح دعوات متصاعدة لتجديد الخطاب الديني تكاد تكون مقصورة على الخطاب الديني الإسلامي، في الوقت الذي قد تشتمل فيه الخطابات الأخرى على ما هو أكثر إثارة للجدل من تلك الأفكار التي يستند إليها دعاة تجديد الخطاب الإسلامي في إسباغ الشرعية على دعوتهم.

 

وفي هذا السياق برزت الدعوة التي أطلقها السيسي في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف لعام 1436ه، وكان المحور الرئيس في هذا الخطاب هو دعوة علماء الأزهر والأوقاف والإفتاء إلى عمل ما سماه بـ(ثورة دينية) تقوم بتجديد الخطاب الديني؛ ليكون متناغما مع عصره، وتقضي على النصوص والأفكار التي تم تقديسها -وانحبسنا بداخلها- وهي تدفع الأمة إلى معاداة العالم، كما دعا للتصدي للفكر المتطرف الذي هجر وسطية الإسلام واعتداله، واستحل الدماء بفهم مغلوط.

 

وحدد السيسي عناصر التجديد بـ:  "تصويب المفاهيم، وعرض حقائق الأمور بتجديدٍ واعٍ ومسؤول يتخذ من كتاب الله وسنة نبيه منهاجا أساسيا، ويحفظ قيم الإسلام وثوابته، ويدعو إلى نشر تعاليمه السمحة، ويقضي على الاستقطاب الطائفي والمذهبي، ويعالجُ مشكلةَ التطرف والفهم المغلوط أو المنقوص للإسلام".

 

ومضمون دعوة السيسي إلى الثورة الدينية وتجديد الخطاب الديني بعد حذف العبارات المكررة:

 

" لا بد أن نتوقف كثيرا عند الحالة الراهنة، لقد عظم نبينا حرمة النفس، إلا أن هناك من أخطأ في فهم الدين وأساء تفسيره، وهجر وسطيته واعتداله، واستحل دماء المسلمين وغيرهم من بني وطنه بأفكار خاطئة وآراء جانحة، ونسي أن ديننا هو دين الرحمة، وأن نبينا هو رسول الرحمة.

 

تكلمنا من قبل عن أهمية الخطاب الديني الذي يتناغم مع عصره، وهذا هو التجديد الذي يعمل على رأس كل مائة سنة أو أقل، المشكلة ليست موجودة في الدين أو العقيدة، بل في فكر يقدس، في نصوص وأفكار تم تقديسها لمئات السنين وأصبح الخروج عليها صعبا جدا، وصارت تعادي الدنيا كلها، ولا يعقل أن يكون الفكر الذي نقدسه يدفع الأمة بالكامل لأن تكون مصدرا للقلق والخطر والقتل والتدمير في الدنيا كلها، لا يعقل أن يموت بقية العالم من أجل أن يعيش مليار وستمائة مليون مسلم، هذا الفكر الذي تم تقديسه لا يمكن أن تحس به وأنت بداخله، لا بد أن تخرج خارجه وتقرأَه بفكر مستنير، نحن نحتاج إلى ثورة دينية.

 

ثم وجه نداء إلى شيخ الأزهر والعلماء الحضور قائلا: الدنيا كلها تنتظر كلمتكم؛ لأن هذه الأمة تضيع، وضياعها بيدنا، أدعو العلماء في الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء إلى سرعة الانتهاء من عناصر الخطاب الديني الجديد؛ بتصويب المفاهيم وعرض حقائق الأمور تجديدا واعيا ومسؤولا يتخذ من كتاب الله وسنة نبيه منهاجا أساسيا، ويحفظ قيم الإسلام وثوابته، ويدعو إلى نشر تعاليمه السمحة، ويقضي على الاستقطاب الطائفي والمذهبي، ويعالج مشكلة التطرف والفهم المغلوط أو المنقوص للإسلام".

 

وقد يثور تساؤل عن طرح القضية للنقاش في هذا التوقيت رغم مرور ما يقرب من نصف عام على الخطاب، والجواب: أن هذا الخطاب كان تدشينا لفكرة الثورة الدينية، وتلته تصريحات أخرى متتابعة جدد فيها السيسي دعوته، وأجاب في بعضها عن تساؤلات تتعلق بالأفكار التي طرحها، فصارت القضية حاضرة بشدة في اهتمامات الرأي العام حتى وقت كتابة هذا التقرير.

 

أضف إلى هذا أن دعوة السيسي للثورة الدينية تلتها إجراءات وأحداث بعضها كان تطبيقا صريحا لهذه الدعوة: إما بشكل رسمي[1]، وإما بادعاء أصحابه أنهم ينفذون رؤية السيسي[2]، وإجراءات وأحداث أخرى ربط المحللون بينها وبين هذه الدعوة[3]، فصارت القضية تحتل مساحة مهمة في بؤرة الأحداث، وترتبت عليها آثار وتداعيات خطيرة لا تزال سارية حتى وقت كتابة هذا التقرير.

 

تحليل مضمون الخطاب

 

أولا: ينبغي التوقف عند اللهجة التي غلبت على السيسي في دعوته الارتجالية للثورة الدينية، فالسيسي في هذا الخطاب لم يظهر بمظهر صاحب الدعوة الذي يبدي رأيا ويقترح حلا لمشكلة ما؛ كي يسهم برأيه واقتراحه في إثراء النقاش الذي يسفر عن رأي جماعي رشيد صادر عن تلاقح الأفكار واجتماع العقول.

 

وإنما تكلم السيسي بلهجة الأصيل الآمر[4] أمرا واجب النفاذ بحيث لا يترك لمستمعه فرصة للنقاش أو الجدل أو المعارضة، بل دوره ينحصر في قبول التكليف وتنفيذه دون أدنى مناقشة[5].

 

وهذا يقودنا إلى الإشكالية الأولى في هذه الدعوة، وهي: نظرة السلطة للمؤسسات الدينية وطبيعة الدور المنوط بها في نظام 3 يوليو، فالظاهر من لهجة هذا الخطاب -والتصريحات التالية عليه- أن السلطة تنظر للمؤسسات الدينية لا على أنها مؤسسات مستقلة في تمثيلها للإسلام وإبداء الرأي الشرعي في المشكلات المتعلقة بالشأن الديني، وإنما تنظر السلطة لهذه المؤسسات على أنها تابعة ينحصر دورها في تنفيذ رؤية رأس السلطة حتى فيما يتعلق بالشأن الديني نفسه.

 

مع أن طبيعة الأمور تقضي بأن تكون هذه المؤسسات صاحبة الاختصاص الأصيل في صياغة الخطاب الديني واقتراح الحلول للأزمات المتعلقة به، وأن ما عداها من المؤسسات ذات دور ثانوي في صياغة هذا الخطاب وحل مشكلاته والتعامل مع أزماته، وإن كان لها حق المساهمة في ذلك فينبغي أن تكون بالتنسيق مع المؤسسات الدينية، على أن تكون المؤسسات الدينية هي الجهة المصدرة للقرار والداعية للمؤسسات الأخرى إلى المساعدة في تفعيل هذه القرارات بما تمتلكه من أدوات التنفيذ المساعدة.

 

هذا ما تقضي به طبيعة الأمور، وما يتفق مع الدور العلمي والتاريخي الذي كان يضطلع به الأزهر الشريف، ولكنا وجدنا العكس؛ حيث صار الأصيل تابعا، وصار المساعد أصيلا يأمر وينهى صاحب الاختصاص الأصيل.

 

وهذا يقودنا إلى الانتباه لخطورة ما جرى في دستور 2014 م من حذف لنصوص دستور 2012م التي كانت تحدد الاختصاصات الأصيلة للأزهر الشريف ومؤسساته في الاضطلاع بكل ما يخص الشأن الديني، ويدعونا للتعجب من السهولة الغريبة التي قبل بها الأزهر تجريده من هذه الصلاحيات الواسعة التي كان يتمتع بها في دستور 2012، مع أنها مكتسبات تاريخية قلما يجود بها الزمان في الفرص التاريخية المحدودة التي تمنحها الثورات للمؤسسات التي تعاني من الحصار والتهميش وتتطلع للاستقلال.

 

محمد مهنا أحد ممثلي الأزهر في لجنة الخمسين

 

وقد ظهرت الآثار السلبية لهذا التجريد من صلاحيات الأزهر؛ حيث بدا في صورة مزرية تجعله مأمورا مكلفا بالتنفيذ الفوري لرؤية رجل الحكم في أخص خصائص المؤسسة الأزهرية، ولم يظهر من الأزهر أية ممانعة أو مقاومة لسلب هذا الاختصاص الأصيل، بل أظهر التسليم التام وشرع في التنفيذ الفوري للتكليفات الصادرة بحذافيرها.

 

وكان من مظاهر الخطورة في هذه الصورة التي ظهر عليها الأزهر: أن صار خاضعا لقاعدة: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وأنه لا مجال للحديث عن معارضة أو نقاش في ظل الحرب على الإرهاب التي تشنها السلطة، والتي تفرض على الجميع التأييد المطلق للسلطة وعدم المعارضة؛ لأن المعارضة والنقاش يعرقلان مسيرة السلطة في مواجهة الإرهاب، ويمنحان أعداء الوطن مبررات لا بد من تجريدهم منها.

 

ومن المفارقات العجيبة في هذا الموقف المعكوس: أن رجل الحكم والسياسة منح لنفسه الحق في تدشين الثورة الدينية وصياغة تجديد الخطاب الديني مع أن نظامه طالما تشدق بأهمية الفصل بين الدين والسياسة، وطالما اتهم خصومه بالخلط بين الدين والسياسة، واتخذ من هذه التهمة ذريعة لإقصاء خصمه المنتخب عبر كسر المسار الديمقراطي الذي تمخض عن نجاح هذا الخصم.

 

ويلاحظ أن تسليم الأزهر بهذا الدور المعكوس جعله في مرمى الهجوم الإعلامي؛ حيث اتهم إعلاميون المؤسسة الأزهرية بنفاق السلطة والكيل بمكيالين حين يصدر نفس الكلام من فرد أو جهة لا تملك سلطة، فالإعلامي إبراهيم عيسى في تحليله لدعوة السيسي شن هجوما لاذعا على الأزهر؛ لتسليمه بأفكار السيسي عن الثورة الدينية مع أنها أفكار جريئة طالما دأب الأزهر على التصدي لها حين كانت تصدر من المفكرين الذين لا يملكون السلطة.

 

وجدير بالذكر أن بعض المثقفين –في تعليقهم على دعوة السيسي للثورة الدينية- استنكروا على السيسي أن يضطلع بصياغة تجديد الخطاب الديني؛ لأن هذا ليس من شأن رئيس الدولة، في الوقت الذي استسلم فيه الأزهر لقيام السيسي بهذا الدور مع أنه اختصاص الأزهر الأصيل، وكان من هؤلاء المثقفين الدكتور يوسف زيدان؛ حيث قال في تعليقه على هذه الدعوة: إن تجديد الخطاب الديني ليس من اختصاص صاحب السلطة. غير أنه استنكر تكليف الأزهر بهذه المهمة؛ لأنها في نظره ينبغي أن يقوم بها المثقفون!

 

وبعد هذه الوقفة الكاشفة عند لهجة الخطاب ودلالاتها ننتقل للحديث عن تحليل مضمون الخطاب ودلالاته:

 

وبتحليل مفردات هذا الخطاب نلحظ أن السيسي تحدث عن أزمة في النصوص والفكر الديني، وقدم تشخيصا لهذه الأزمة، وقدم حصرا لأسبابها، وختم ببيان عناصر التجديد المنشود داعيا علماء الأزهر إلى القيام بهذا التجديد وفقا للروشتة التي قدمها في خطابه.

 

وقد شخص السيسي الأزمة بأن هناك مشكلة في الخطاب الديني الراهن، وأرجع مشكلة الخطاب الديني إلى كونه يستند إلى نصوص وأفكار تم تقديسها وهي تعادي العالم، وأن سبب تقديسها المستمر هو الانحباس بداخلها، وهذا الانحباس يحجب المنحبس بداخلها عن رؤية الحقيقة، والحقيقة –في نظر السيسي- لا تتجلى ما دام هذا الانحباس مستمرا، فلا بد من الخروج خارجها والنظر إليها بعقل مستنير.

 

وفيما يأتي تحليل لهذه الجزئيات:

 

ونستهل ذلك بالحديث عن تحديد الأزمة في دعوة الثورة الدينية:

 

تحليل تحديد السيسي للأزمة

 

أما الأزمة فهي كما تقدم: "وجود فكر متطرف خرج عن وسطية الإسلام واستباح الدماء"، وهنا نثير ثاني إشكاليات[6] دعوة السيسي للثورة الدينية، وهي إشكالية الاختزال، والمراد بالاختزال: التبسيط المخل في تحديد الأزمة؛ لأن هذا التحديد الاختزالي حدد الأزمة في وجود فكر متطرف يستبيح الدماء انطلاقا من نصوص وأفكار تم تقديسها، وهذا التحديد مشكل؛ لأن الفكر المستتبيح للدماء موجود منذ القرون الأولى، فبداية هذا الفهم المتطرف كانت مع ظهور الخوارج في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولم ينعدم فكر الخوارج منذ هذا التاريخ، غير أنه شهد فترات انحسار.

 

وكان الركن الأساس في منهج التعامل مع الخوارج هو الحوار والمناظرة العلمية ومقارعة الحجة بالحجة، ولهذا كلف علي بن أبي طالب عبد الله بن عباس بمناظرة الخوارج وإقامة الحجة عليهم، وكانت مناظرات ابن عباس الشهيرة مع الخوارج سببا في رجوع الآلاف منهم إلى حظيرة الفهم الوسطي.

 

والمتأمل في دعوات السيسي والسياسات المنفذة لها لا يجد أثرا لهذا المنهج، وإنما يجد تعاملًا استئصاليا يغيب فيه الحوار لصالح القمع والاستئصال، ويزيد من خطورته إهمال الأسباب الكبرى التي تصنع التطرف، وعلى رأسها: الظلم والتهميش والفساد على اختلاف أنواعه، وهو الأمر الذي تتابعت على تأكيده الدراسات وتحليلات الخبراء.

 

الخلل الثاني في تحديد السيسي للأزمة: أنه صور الأمة الإسلامية في صورة من يصنع العداء مع العالم، وكأن هذه الأمة هي المدانة وهي المسؤولة عن صناعة الحروب، مع أن الأمة الإسلامية في الحقيقة هي الطرف الأضعف في النظام الدولي الذي لا يزال يتعرض لكل أنواع الانتهاكات دون أن يتحرك المجتمع الدولي لرفع المظالم عنه.

 

والتأمل بقليل من الإنصاف يقضي بأن الأمم التي تشكو من إرهاب المسلمين هي المسؤول الأكبر عن صناعة الكراهية وخلق العداء؛ بظلمها للمسلمين، ونهبها لثرواتهم، واتباع سياسة الكيل بمكيالين فيما يتعلق بالقضايا الإسلامية.

 

وأي حديث يقبل عن صناعة الأمة الإسلامية للكراهية -واختلاق العداء مع بقية الأمم- مع أن الغرب صرح عقب انتهاء الحرب الباردة بأن الإسلام هو العدو الجديد، وكيف يقبل اتهام الأمة الإسلامية بمعاداة العالم مع تصريح جورج بوش الابن بأن الحرب الأمريكية على العراق حرب صليبية!

 

 

خطاب جورج بوش الابن

 

وقد تقدمت الإشارة إلى إن الخطابات الدينية عند غير المسلمين تشتمل على نصوص وأفكار أشد إثارة للجدل من تلك التي تحدث عنها السيسي وحملها المسؤولية عن إراقة الدماء، وهذه النصوص كانت منطلَقا للعدوان وإبادة المسلمين في حروب الصهيونيين والمسيحيين المتصهينين (المحافظين الجدد) ضد المسلمين.

 

وقد تحدثت التقارير التي تربط بين العقيدة -المنبثقة عن هذه النصوص الدينية- وبين الحرب الأمريكية الغربية على العراق في 2003م، ولا يخفى أن هذه الحرب الظالمة كانت من أهم أسباب توليد التطرف وزيادة عدد المؤمنين بالعنف من بين الشباب الإسلامي، ولا يخفى أن ظروف هذه الحرب هي التي ولدت (التيار الزرقاوي) [7] الذي يعد التيارَ المؤسس لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، فمن العجيب أن يغض الطرف عن هذه الحقائق ويظهر المسلمين ونصوصهم وأفكارهم على أنها صانعة الأزمات وخالقة العداوات، فيصير الجلاد هو الضحية والضحية هو الجلاد.

 

وهذا لا يعني تبرير الممارسات الشاذة لبعض التيارات الجهادية -والتي نرى أنها صدرت عن سوء فهم لأحكام الجهاد في الشريعة الإسلامية- وإنما المراد هنا البحث في جذور الأزمة، وإدانة المسؤول الحقيقي عن صناعتها، مع إنكار كل خطأ لا تبرره المظلومية.

 

تحليل تسبيب الأزمة

 

لقد أرجع السيسي أزمة الخطاب الديني إلى تقديس نصوص وأفكار -تحض على معاداة الآخرين- والانحباس فيها دون محاولة الخروج خارجها للنظر إليها بعقل مستنير.

 

وأول ما يتبادر إلى الذهن إزاء هذا الطرح: التساؤل عن ماهية النصوص التي تحدث عنها السيسي، وهل يدخل في المراد منها نصوص القرآن والسنة؟

 

لقد اهتم السيسي نفسه بالتأكيد على أنه لا يريد الثورة على الدين أو العقيدة، وإنما تغيير الأفكار المقدسة التي تجعل الأمة الإسلامية في معاداة مع العالم، لكن يبقى الإشكال قائما في ظل التعبير بـ(تقديس النصوص والأفكار)؛ لأن أي دارس للشريعة والتراث يعلم أن المسلمين لا يقدسون إلا نصوص القرآن الكريم، وما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن ما عدا ذلك -من الآراء الاجتهادية والمرويات غير الثابتة- لا قداسة له عند المسلمين، بل إن علوم الشريعة اهتمت بالتنقية الذاتية من المرويات والاجتهادات التي ثبت خطؤها، فيبقى الإشكال قائما في الدعوة لحذف مقدسات حين تصدر في خطاب رسمي من أعلى مستوى في هرم السلطة، وفي حضور أصحاب الاختصاص الأصيل في الشأن الديني.

 

وهذا التعبير -الغريب عما اعتدنا عليه في خطابات الشأن الديني- يثير التساؤل عن طبيعة الجهة التي استشارها السيسي[8] في صياغة هذه الدعوة واستعمال هذه المفردات الشائكة، وهنا يثور الشك لدى الباحث -المتابع للخطاب الأزهري- في رجوع السيسي إلى الأزهر الشريف في صياغة هذه الدعوة بتلك المفردات؛ لأن استعمال هذه المفردات لا يشيع في الخطاب الأزهري الذي يتناول شأن التجديد؛ حيث دأب الخطاب الأزهري على التركيز على ضرورة معالجة الفهم المغلوط للنصوص والتطبيق الخاطئ لهذا الفهم المغلوط من قبل بعض المتدينين والحركات الإسلامية، ولم نعهد في الخطاب الأزهري استعمال مصطلح (النصوص المقدسة) والحديث عن ضرورة التخلص منها في إطار ثورة دينية.

 

إذن فنحن أمام أحد احتمالين: احتمال أن يكون السيسي قد انفرد بصياغة هذه الدعوة بمفرداتها الشائكة بمعزل عن صاحب الاختصاص الأصيل، واحتمال أن يكون قد أطلقها بالتنسيق مع صاحب هذا الاختصاص، وعلى كلا الاحتمالين فنحن أمام تغير خطير في سياسة الشأن الديني؛ لأن انفراد رجل السلطة بمثل هذه الصياغة يجعلنا أمام حالة غير مسبوقة من تأميم الشأن الديني، ومساهمة الأزهر الشريف في دعوة بهذه الجرأة غير المسبوقة –وإقراره بمفرداتها الشائكة- يجعلنا إزاء تغيير كبير –وغير مسبوق- في ثوابت المؤسسة الأزهرية!

 

تحليل علاج الأزمة

 

من أهم ما يلفت النظر في حديث السيسي عن حل الأزمة: ربط السيسي بين ثورته الدينية وبين مفهوم (تجديد الدين) المستمد من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا»[9]. 

 

وقد عرف السيسي التجديد بعبارة تبدو عاطفية كلاسيكية أكثر منها علمية: "جعل الخطاب الديني يتناغم مع عصره"، ووجه الإشكال في هذا: أن أوضح معاني تجديد الدين هو: إحياء ما اندرس من أحكام الشريعة؛ قال الحافظ المناوي في شرح حديث التجديد: ((قَوْله: (أَمر دينهَا) أَي: مَا اندرس من أَحْكَام شريعتها)) [10].

 

وعلى هذا فالحديث عن التجديد -انطلاقا من الحديث الشريف- يلزم صاحبه بالاجتهاد في تطبيق الأحكام الشرعية المنسية أو المعطلة، وحديث السيسي كان في الحذف والإلغاء، لا في استرجاع ما تم استبعاده من أحكام الشريعة، ولا في إحياء العمل بما تم تعطيله من نصوص الشريعة وأسهمت أنظمة الحكم العسكرية العلمانية -وأجهزتها التشريعية والقضائية- في استبعاده وتعطيله.

 

نعم، لا نمانع في أن تصحيح الفهم المغلوط له صلة بعملية التجديد، وقد ختم السيسي حديثه عن الثورة الدينية بأهمية تصحيح المفاهيم المغلوطة، لكن هل يُتوقع من أصحاب الفهم المغلوط الاستجابة لعملية التصحيح إذا كانت دعوة التصحيح تصدر عن جهات هي في نظرهم المسؤول الأكبر عن تضييع كثير من أحكام الشريعة وتجميد العمل بكثير من نصوصها؟

 

وهل تتوقع الاستجابة مع إصرار رأس السلطة على الحل الأمني والتأميمي مع سد منافذ الحوار مع المعارضين واعتبار المعارضة خيانة للوطن المشغول بمحاربة الإرهاب؟

 

وهل هذا المسلك يفيد في القضاء على الاستقطاب المذهبي -كما دعا السيسي في كلمته- أم ينفخ في رماد الاستقطاب ويزيد ناره اشتعالا؟

 

انعكاسات ثورة السيسي الدينية

 

لقد تجلت انعكاسات هذه الدعوة في عدة مظاهر من أهمها: عمليات الحذف المستمرة في مناهج التعليم، والتي بلغت في الحذف حدا غير مسبوق، لا سيما مناهج التعليم الأزهري.

 

كما تجلت هذه الآثار في فتح المجال أمام نقاد التراث الإسلامي بشكل غير مسبوق في الفضائيات والمنابر المحسوبة على نظام 3 يوليو، حتى إن بعضهم قد دافع عن تهجمه على التراث الإسلامي بأن هذا الهجوم يعد تطبيقا لتوجيهات السيسي، الأمر الذي عرض النظام لقدر كبير من الحرج؛ إذ جعله يبدو راعيا لعمليات تشويه التراث الإسلامي وأئمته التي تتم تحت مظلة الثورة الدينية وتنقية التراث.  

 

إسلام البحيري أحد أشهر من هاجموا التراث بدعوى اتباعهم لدعوة السيسي

 

ومن الآثار السلبية المباشرة لهذا المسلك: أنه منح أعداء الأمة مستندا مجانيَّا للعدوان عليها؛ إذ تبرع بتحميل المسلمين وتراثهم مسؤولية الدماء التي تسيل في العالم، مع أن المسلمين هم أكثر من يتعرض للظلم على اختلاف أشكاله كما تقدم بيانه، فكان الأولى أن يدين صاحب هذه الدعوة الانتهاكات ضد المسلمين التي يستند بعضها إلى نصوص وأفكار تم تقديسها، وليس في القرآن والسنة ما في هذه النصوص من دعوات صريحة لإبادة الأعداء عن بكرة أبيهم من غير تمييز بين المقاتل وغيره، أو بين الرجال والنساء، أو بين الشيوخ والشباب، أو بين الكبار والأطفال[11].

 

ولا يعني هذا أن التراث الإسلامي -والخطاب الذي يستند إليه- معصوم من الخطأ، فهذا مما لا يعقل ونحن أمام تراث أسهم في صياغته بشر غير معصومين، فمن البداهة –والحالة هذه- أن يشتمل التراث على اجتهادات خاطئة، وروايات ثبت عدم صحتها، وآراء لا يسلم لأصحابها.

 

وإنما النقاش مع صاحب الدعوة هو في المبالغة في نقد التراث الإسلامي وإدانته مع نفي المسؤولية عن المجرم الحقيقي ومنحه صك البراءة المجانية، في مسلك أقل ما يوصف به أنه سوء تقدير ومجافاة لمقتضى الإنصاف.

 

إذن فالسؤال الذي يفرض نفسه: ما طبيعة الخلل في التراث الإسلامي، وما هو المنهج السليم لعلاج هذا الخلل؟

 

والجواب باختصار: أن الخلل يكمن في روايات ثبت عدم صحتها، واجتهادات خاطئة مع أفهام مغلوطة –لنصوص وآراء صحيحة- وتوظيفات خاطئة قام بها المعاصرون.

 

والعلاج -بطبيعة الحال- لا يكون بتحميل التراث المسؤولية عن جرائم غيره، ولا يكون بالدعوة للحذف المتشنج في مناخ من الترويع توظف فيه مختلف أشكال الفزاعات؛ لمنع أية رؤية نقدية في نقاش حر، وإنما يكون العلاج بما يقوم به أهل العلم من التنبيه -التلقائي والمستمر- على ما يقع من الغلط في الرواية، والخطأ في الاجتهاد، والخلل في الفهم، والفساد في التوظيف، فهذه الرباعية كفيلة بحل إشكاليات التراث مع حفظ الاحترام لأئمة الإسلام الذين اجتهدوا -في حدود معارف عصورهم[12]- بنية صادقة يحس بها كل من قرأ سيرهم واستفاد منهم وعايشهم في مصنفاتهم.

 

أما من قرأ لهم بنية التشويه والهدم فلا بد أن يغض الطرف عن كل هذه المحاسن، ويبرز ما يراه خطئا مع استعمال أقصى عبارات التشويه والتطاول؛ حتى يسلبهم كل منقبة ويلصق بهم كل نقيصة، فيكون مثله كمثل من قيل فيه:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا

 

وختاما، فقد جاءت الدعوة لما يسمى بـالثورة الدينية مختزلة تفتقر إلى ما كان يجب أن يكون من نقاش موسع لا يتحول فيه الأصيل إلى تابع لا يعدو أن يكون أداة تنفيذية.

 

ولا تلوح في الأفق القريب بوادر نجاح هذه الدعوة في ظل إصرار من بيده الأمر على معركة صفرية، وسياسة أحادية متشنجة يتغول فيها الأمني على ما عداه، فتكون النتيجة عكسية على خلاف ما أراد صاحب الدعوة.

 

غير أنا على يقين تام في أن هذا الوضع لن يستمر تحت ضغط الواقع الأليم الذي سيفرض على صاحب القرار -يوما ما- أن يتنازل عن إصراره على تلك الأحادية في النظر، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: من الذي سيدفع الثمن؟

 

الهوامش

[1] مثل إجراءات المؤسسات الأزهرية التي تمثلت في عقد اجتماعات، وتنظيم مؤتمرات، وحذف مناهج، واستكمال لعملية تأميم المساجد والخطاب الديني، وغير ذلك من قرارات وإجراءات.

[2] مثل إسلام البحيري في دفاعه عن منهجه بأنه ينفذ رؤية السيسي في تنقية التراث الإسلامي.

[3] مثل قيام بعض المسؤولين بوزارة التربية والتعليم بحرق الكتب؛ بدعوى أنها تحرض على العنف.

[4] في سياق من الغضب والانفعال لا تخطئه الأذن، وهو ما دعا بعض المحللين إلى المقارنة بين لهجته الغاضبة في خطابه هذا، وبين لهجته الحانية الرقيقة في كلمته التي ألقاها في الكاتدرائية حين ذهب مهنئا بعيد الميلاد المجيد وتحدث عن إلهام المصريين للعالم، بينما اتهم في خطاب المولد النبوي الأمة الإسلامية بأنها تعادي العالم.

[5] يؤكد هذا ترهيبه لشيخ الأزهر والعلماء بأنه سيحاجيهم (الصواب: سيحاججهم) أمام الله.

[6] الإشكالية الأولى هي ما تقدم في الحديث عن اللهجة الآمرة التي عكست الأدوار، وسلبت الأزهر اختصاصه الأصيل.

[7] نسبة إلى أبي مصعب الزرقاوي.

[8] على فرض أنه استشار أحدا قبل هذا الارتجال الذي دعا فيه لما سماه ب(الثورة الدينية)، ومن الملاحظ أن السيسي في الفترة الأخيرة يرى في نفسه مفكرا ومبشرا بإصلاح ديني على الطريقة اللوثرية، وهذا من مكامن الخطر في سياسات السيسي فيما يتعلق بالشأن الديني.

[9] رواه أبو داود 4291 ، وصححه الحاكم 8592 ، وسكت عنه الذهبي في التلخيص، وصححه الألباني في صَحِيح الْجَامِع: 1874 والصَّحِيحَة: 599 . قال الصنعاني نقلا عن صاحب المرقاة: ((اتفق العلماء على تصحيحه، منهم الحاكم والبيهقي، ونص على صحته من المتأخرين: الحافظ أبو الفضل ابن الحجر)). التنوير شرح الجامع الصغير (1/ 154).

[10] التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 3).

[11] ينظر على سبيل المثال: 1صمويل15:3 فَالآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ، وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ بَلِ اقْتُلْ رَجُلاً وَامْرَأَةً، طِفْلاً وَرَضِيعًا، بَقَرًا وَغَنَمًا، جَمَلاً وَحِمَارًا)).

[12] ولو كانوا في زماننا لتغير اجتهادهم في كثير من المسائل.

 

إقرأ المزيد

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    اعلان