تعرضت اقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لصدمات متعددة خلال الشهرين الماضيين، بسبب جائحة "كورونا"، وانخفاض أسعار النفط، ولكن تلوح في الأفق صدمة مالية أخرى؛ تتمثل في انخفاض تحويلات العاملين في الخارج، حيث من المرجح أن يضرب هذا الاقتصادات الأكثر حساسية في المنطقة، بما في ذلك مصر والأردن ولبنان.
ومع بدء الكشف عن حالات "كوفيد-19" في منتصف مارس الماضي، قدر الباحثون في البنك الدولي الخسائر في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنسبة 2.1% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2020.
ولكن بعد أسابيع فقط، في بداية أبريل، توجب عليهم أن يراجعوا تقديراتهم أكثر - مع حدوث إغلاق في المزيد من البلدان - فتنبأوا بخسائر اقتصادية بنسبة 3.7% من الناتج المحلي الإجمالي، أو ما يعادل أكثر من 100 مليار دولار.
وقال نائب كبير الاقتصاديين بالبنك الدولي "دانييل ليدرمان"، في مؤتمر بالفيديو مع الصحفيين: "خلال أسبوعين تضاعفت تقديراتنا تقريبًا مع تدهور الظروف الاقتصادية العالمية، ومع وضوح استجابة الحكومات أكثر".
وقال كبير الاقتصاديين بالبنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا "رابح أرزقي": "لقد وصلت الاقتصادات إلى حالة ركود، أدت هذه الصدمة المزدوجة إلى انخفاض متوقع في معدل النمو بنسبة 1.1% عام 2020 ، و2.1% عام 2021".
بطالة العاملين بالخارج
ما يهمنا هنا هو الحديث عن شيوع البطالة بين العمال والموظفين المهاجرين، بسبب سياسة الإغلاق، وهو ما يعني إرسال أموال أقل للوطن.
وقال "إريك لو بورني"، أحد كبار الاقتصاديين في البنك الدولي: "بسبب انخفاض أسعار النفط، سيعاني الأردن من قلة التحويلات من الخليج".
وتتوقع المؤسسة أن ينكمش الاقتصاد الأردني بنسبة 3.5% العام المقبل؛ هذا بالمقارنة مع نمو بنسبة 2% عام 2019.
وقال الاقتصادي: "هذا الانكماش هو أسوأ أداء شهده الأردن منذ عام 1989".
ويعد انخفاض التحويلات حادًا بشكل خاص بالنسبة للبنان ومصر، حيث تقدر مدفوعات التحويلات هذه بنحو 7.3 مليار دولار (12.5% من الناتج المحلي الإجمالي للبنان) و 25.2 مليار دولار (8.4% من الناتج المحلي الإجمالي لمصر) عام 2019.
لا توجد حتى الآن أرقام لعام 2020، ولكن من المتوقع أن تنخفض التحويلات بشكل حاد.
وقال رئيس البحوث في اتحاد المصرفيين العرب في بيروت "علي عودة"، : "ستكون لبنان ومصر من بين الدول العشر الأولى في العالم الأكثر تضررا من انخفاض التحويلات، استنادًا للنسبة المئوية التي تمثلها التحويلات في الناتج المحلي الإجمالي".
معاناة الاقتصاد المصري
وقد عانت مصر اقتصاديًا منذ ثورة 2011 ، بما في ذلك تخفيض قيمة عملتها في 2016، على الرغم من أن شللها المالي لم يكن حادا مثل لبنان، لكن أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان لا تزال تعاني، بحسب ما يرى "بول كوكرين"، الكاتب المتخصص في شؤون الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بموقع "ميدل إيست آي".
ويقول "كوكرين" إنه من المتوقع أن تعاني مصر من خسارة في الإيرادات هذا العام، خاصة من السياحة، التي ولدت 12.6 مليار دولار (4.2% من الناتج المحلي الإجمالي) في 2018-2019، ومن إيرادات قناة السويس البالغة 5.7 مليار دولار (1.9% من الناتج المحلي الإجمالي).
كما ستتراجع التحويلات القادمة من الخارج، والتي ساهمت بمبلغ 25.2 مليار دولار، أو 8.4% من الناتج المحلي الإجمالي في مصر، وفقًا للمعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية في 2018-2019.
وأوضح "كليمنس برايزنجر"، وهو زميل باحث في قسم إستراتيجية التنمية والحوكمة في المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية، ورئيس برنامج دعم استراتيجية مصر، أن هناك نتيجتين محتملتين لذلك.
وقال: "في السيناريو الأكثر تفاؤلاً، ستنخفض التحويلات في السنة المالية 2019-2020 بنسبة 10%، أما السيناريو الأكثر تشاؤما فهو انخفاضها 15%".
وقال إن الافتراض الأخير يفترض أن المصريين المهاجرين لن يتمكنوا من العودة إلى البلدان التي يعملون فيها، وأن أرباب العمل سوف يسرحون العمال، وسيعني تخفيض أسعار النفط استثمارات خليجية أقل، وسيكون هناك طلب أقل على العمالة المصرية المهاجرة.
وقال "برايزنجر": "ستكون الأسر الريفية والفقيرة أكثر عرضة لانخفاض التحويلات، بالنظر إلى أن تسريح العمال الأوّلي من المرجح أن يحدث بين العمال المهاجرين ذوي المهارات المتدنية".
وأضاف: "كل هذا يتوقف على المدة التي سيستمر فيها كوفيد-19 في تعطيل الاقتصاد العالمي. وكلما طال أمد ذلك، زادت معاناة جميع البلدان، بما في ذلك مصر".