رئيس التحرير: عادل صبري 01:51 مساءً | الاثنين 27 سبتمبر 2021 م | 19 صفر 1443 هـ | الـقـاهـره °

سبورة مُحطمة و«مريلة» مُلطخة بالدماء.. آخر ما تبقى من مجزرة «بحر البقر»

سبورة مُحطمة و«مريلة» مُلطخة بالدماء.. آخر ما تبقى من مجزرة «بحر البقر»

أخبار مصر

مدرسة بحر البقر - صورة أرشيفية

الدرس انتهى لموا الكراكيس...

سبورة مُحطمة و«مريلة» مُلطخة بالدماء.. آخر ما تبقى من مجزرة «بحر البقر»

آيات قطامش 08 أبريل 2021 21:12

"ايها الأخوة المواطنون، جاءنا البيان التالي، أقدم العدو في تمام الساعة التاسعة و20 دقيقة من صباح اليوم، على جريمة جديدة تفوق حد التصور، عندما أغار بطائراته الفانتوم الأمريكية على مدرسة بحر البقر الابتدائية المشتركة بمحافظة الشرقية، وسقط الأطفال بين السادسة والثانية عشر تحت جحيم النيران"؛ كان هذا مفاد بيان عاجل بثته الإذاعة المصرية في مثل هذا اليوم قبل نحو 51 عامًا.. 

 

 

ففي صبيحة 8 إبريل عام 1970؛ توجه طلاب بالشرقية إلى مدرستهم كعادتهم ولكن وقع ما لم يكن في الحسبان.. 
 

فبينما كانوا في صفوفهم الدراسية استهدفتهم غارة اسرائيلية على حين غفلة أودت بحياتهم في ثواني معدودة.. في جريمة عرفت باسم "مجزرة بحر البقر" التي يتزامن مرور ذكراها الـ 51 اليوم.. 

 

 

(تخت مُحطم ومريلة ملطخة بالدماء.. كراريس وسبورة .. بعض الأقلام والكشاكيل)؛ أغراض أطلت من بين الركام لتلاميذ رحلوا عن الحياة إثر تلقيهم ضربة غادرة من السماء بيد العدو الاسرائيلي، قادتهم إلى حافة القبر وهم لا يزالون في مُقتبل العمر أثناء تواجدهم داخل فصولهم.


 

ففي ذاك اليوم الحزين سجل أطفال تتراوح أعمارهم بين الـ 6 أعوام والـ 12 عامًا؛ حضورهم بمدرستهم التي تحمل اسم قريتهم "بحر البقر"، استعدادًا ليوم دراسي جديد، ولكن سرعان ما جائتهم الضربة الغادرة إثر غارة اسرائيلية استهدفتهم ليفارق الحياة  30 تلميذًا ويصاب 50 آخرين.. 

 

المدرسة المنكوبة تقع بقرية بحر البقر الريفية، بمركز الحسينية التابع لمحافظة الشرقية، وتتكون من طابق واحد يضم 3 فصول إضافةً إلى غرفة المدير، في يوم الغارة حضر 86 تلميذ من أصل 130. 

 

 

"بطائرات الفانتوم الأمريكية" ضرب العدو مدرسة مصرية للأطفال"؛ مانشت تصدر الصفحة الأولى بجريدة الأهرام حينها؛ يعكس حجم الفاجعة التي تعرض لها هؤلاء الصغار.


فمع دقات التاسعة و20 دقيقة؛ صبيحة 8 إبريل عام 1970، حلقت 5 طائرات فانتوم أمريكية، أعلى المدرسة الابتدائية ببحر البقر، وقصفتها مباشرة بواسطة 5 قنابل تزن ألف رطل، وصاروخين لينتهي كل شئ في غضون لحظات، وتحولت المدرسة إلى ركام تحته جثث الصغار، وإلى جوارهم كراسات تلطخت بالدماء، ودُمى كانت برفقتهم تناثرت بمحيط المكان.

 

 

 

غارة اسرائيلية تنهي حصة الحساب

 

في حصة الحساب بمدرسة بحر البقر كان يجلس الطفل " أحمد الديمري  " الذي يتجاوز عمره الآن الخمسين، وإلى جواره رفيقه "أحمد عبد العال"، وحدث شئ لا يغيب عن عقل "الديمري" فحينها سقط قلمه على الأرض توجه اسفل التخت ليجلبه وفي تلك اللحظة وقعت على حين غفلة الغارة، ولم ير الطفل سوى ركام وجثث لموتى أما هو فلحقت به بعض الاصابات إثر نجاته بأعجوبه بعدما تحول التخت لدرع واقي له حماه من تأثير تلك الضربة بعد الله بينما فارق زميله الحياة. 

 

 

 

"فجأة لا لاقيت لا حيط ولا مدرسة ولا تخت ولا زمايل كل واحد في ناحية"؛ بتلك العبارة وصف عبد الرحمن، أحد التلاميذ الناجين، المشهد في ذاك اليوم مسترجعًا شريط الذكريات حيث يقول في لقاء متلفز له: "يومها اتصابت في راسي وفي رجليا واتحولنا لمستشفى الحسينية وبعدها لمصر،  وبعدها بعتوا دفعة  للعلاج في ألمانيا والدفعة التانية من زمايلي المصابين لبلغاريا". 

 

 

رغم الاصابة التي خلفتها تلك الغارة في جسد الصغير حينها "عبد الرحمن" إلا إنها تركت في نفسه أثرًا أصعب، فمنذ  وقوع تلك المجزرة أصبح الطفل يرفض فكرة التعليم قائلًا: "8 إبريل ده سبب لي مشاكل كتيرة أولها إن أنا كرهت التعليم .. وده حالي أنا ومعظم زمايلي".


 

أما حسين فرج أحد مصابي مجزرة بحر البقر، فيشير في ذات اللقاء المتلفز إلى أنه حينها كان يجلس في الساعات الأولى من الصباح بالفصل  "وقتها كان عندنا حصة إملاء، وفجأة سمعنا صوت طيران فوقينا، وبعدها بدأ الضرب على طول، كان في نار نازله علينا من السقف، دماغي اتفتحت". 

 

لم تكن الصدمة على "حسين" هينة حيث ظل بعد الحادث لمدة 40 يومًا "ابكم" لا يتكلم.

 

في حين كانت المفاجأة في انتظار والدة طفل يدعى "السيد محمد"، أحد المصابين، فبعد توجها  إلى المستشفى إثر علمها أنه من بين المصابين،  قادها أحدهم إلى غرفته فلم تعرفه بسبب تشوه ملاحمه على خلفية تلك الغارة. 

 

 

 مكان المدرسة التي لم يعد لها وجود منذ تلك الغارة تحول لنصب تذكاري، يعتليه أسماء الشهداء الصغار الـ 30، ويقصدها أهالي الضحايا والمصابون المواطنون والمسئولون في مثل هذا اليوم من كل عام ويضع البعض منهم أكاليل الزهور تخليدًا لذكراهم. 

 

 

أما حالة الغضب الشعبي حينها لم يكن الفنانون بمنآئ عنها حيث عبر كثير منهم في أشعارهم وألحانهم عن عضبهم  بينهم صلاح جاهين الذي كتب كلمات اغنية "الدرس انتهى لموا الكراكيس" وغنتها الفنانة "شادية" ولحنها سيد مكاوي وجاءت كلماتها على النحو التالي: 

 

الدرس انتهى لموا الكراريس

بالدم اللي على ورقهم سـال

فى قصـر الأمم المتــحدة

مسـابقة لرسـوم الأطـفال

ايه رأيك فى البقع الحمـرا

يا ضمير العالم يا عزيزي

دى لطفـلة مصرية وسمرا

كانت من أشـطر تلاميذي

دمها راسم زهرة

راسم رايـة ثورة

راسم وجه مؤامرة

راسم خلق جباره

راسم نـار

راسم عار

ع الصهيونية والاستعمار

والدنيا اللى عليهم صابرة

وساكته على فعل الأباليس

الدرس انتـهى

لموا الكراريس ..

ايه رأى رجـال الفكر الحر

فى الفكرادى المنقوشة بالدم

من طفل فقير مولود فى المر

لكن كان حلو ضحوك الفـم

دم الطـفل الفـلاح

راسم شمس الصباح

راسم شـجرة تفاح

فى جناين الاصلاح

راسم تمساح

بألف جناح

فى دنيا مليانة بالأشبـاح

لكنـها قلـبها مرتــاح

وساكتة على فعل الأباليس

الدرس انتـهى

لموا الكراريس …

ايه رأيك يا شعب يا عربى

ايه رأيك يا شعب الأحـرار

دم الأطـفال جايلك يحـبى

يقول انتـقموا من الأشـرار

ويسيل ع الأوراق

يتهجى الأسـماء

ويطـالب الآبـاء

بالثـأر للأبـناء

ويرسم سيف

يهد الزيـف

ويلمع لمعة شمـس الصيف

فى دنيا فيها النور بقى طيف

وساكتة على فعل الأباليـس

الدرس انتهى لموا الكراريس

 

 

 

أما الشاعر فؤاد حداد فعبر عن تلك المجزرة قائلًا:

 

محافظتي الشرقية

ومدرستي.. مدرستي

بحر البقر الابتدائية

وكراستي

كراستى.. مكتوب عليها تاريخ اليوم

مكتوب على الكراس اسمي

سايل عليه عرقي ودمي

من الجراح اللي فى جسمي

ومن شفايف بتنادي

يا بلادي.. يا بلادي.. أنا بحبك يا بلادي

 

 

يا كل واحد في الملايين

بنت وولد طلوا وشوفوا

درس النهاردة يا مصريين

كتبت ع التختة حروفه

أدي ال “أ” وأدي الـ”ب”

هاتوا القلم نتك عليه

في ذاكرتكم لو جينا

في مدرستنا الجديدة

وكل مدرسة قصرية

 


وتزامنًا مع مرور الذكرى 51 على مجزرة بحر البقر، افتتح بالأمس الأربعاء، الدكتور ممدوح غراب محافظ الشرقية، أعمال تطوير متحف شهداء مدرسة بحر البقر الإبتدائية التابعة لإدارة الحسينية التعليمية. 

 

مقتنيات المتحف  تضم بقايا الأدوات المدرسية من (سبورة – تخت مدرسية)، بالإضافة إلى متعلقات التلاميذ من "كراريس" و"كشاكيل" و"أقلام" و"مريلة" مدرسية ملطخة بالدماء. 

 

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    اعلان