رئيس التحرير: عادل صبري 09:51 صباحاً | الثلاثاء 11 مايو 2021 م | 29 رمضان 1442 هـ | الـقـاهـره °

سد النهضة.. 3 أسباب تجعل السودان الأقرب للوساطة بين مصر وإثيوبيا

سد النهضة.. 3 أسباب تجعل السودان الأقرب للوساطة بين مصر وإثيوبيا

أخبار مصر

سد النهضة

سد النهضة.. 3 أسباب تجعل السودان الأقرب للوساطة بين مصر وإثيوبيا

أحمد الشاعر 14 فبراير 2021 15:19

في محادثة هاتفية جرت في أكتوبر 2020 ، حذر الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترامب رئيس وزراء السودان عبد الله حمدوك من أن مصر قد ينتهي بها الأمر إلى "تفجير" سد النهضة الإثيوبي الذي يتقدم بنائه على قدم وساق رغم عدم وجود اتفاق بين إثيوبيا ومصر بشأن القواعد التي يجب على إثيوبيا الالتزام بها.

 

ووصل العمل بالسد، الذي بدأ في عام 2011 ، إلى علامة فارقة في يوليو 2020 عندما بدأت إثيوبيا في ملء خزانها، مرورا بالمشاكل الفنية التي تواجه البناء الضخم.

 

وتخشى مصر على أمنها المائي وتتهم إثيوبيا بالتعنت ورفض الخضوع لدراسات التأثير والرصد الدولي، وعززت القاهرة موقفها في يونيو 2020، قبل بضعة أشهر من محادثة حمدوك الهاتفية مع ترامب، حيث أعلن وزير الخارجية سامح شكري أنه بسبب عناد إثيوبيا في التوصل إلى تسوية تفاوضية، تدرس مصر الآن "خيارات أخرى" لحل النزاع!

 

ومع ذلك، فإن أي غارة جوية مصرية على سد النهضة – تكهن بها ترامب - ستؤدي إلى صراع عسكري بين مصر وإثيوبيا.

 

وفي الواقع، قبل بدء مثل هذا الصراع، من المرجح أن تكون الغارة الجوية في المنطقة المجاورة مباشرة لسد النهضة، في محيط ولاية بنيشنقول-قماز الإقليمية في إثيوبيا، والتي تبعد سوى 15 كيلومترا عن الحدود مع السودان، وفقا لمركز كارنيجى للشرق الأوسط، في تقرير نشر منذ يومين.

 

ويتابع كارنيجى بقوله: إذا كانت مصر ستدمر سد النهضة كليا أو حتى جزئيا، فإن الفيضانات ستكون نتيجة محتملة، وهذا من شأنه أن يكون له تأثير كارثي على المجتمعات المحلية في المناطق الحدودية الإثيوبية السودانية.

 

وليس من قبيل المصادفة أن ترامب حاول كسب تعاون حمدوك لتجنب هجوم مصري على سد النهضة. وتدرك الحكومة السودانية أنه إذا اتخذ النزاع المصري الإثيوبي حول سد النهضة منحى عسكريا، فإن السودانيين العاديين في المناطق الحدودية سيدفعون ثمنا أكبر من نظرائهم الإثيوبيين بسبب اتجاه الفيضانات.

 

وعلى هذا النحو، فإن للسودان مصلحة راسخة في التوصل إلى حل سلمي للنزاع، وينبغي له أن يختار القيام بدور أكثر نشاطا في جهود الوساطة.

 

قرن من النزاع

 

يعود أصل النزاع المصري الإثيوبي على نهر النيل إلى المعاهدة الأنجلو مصرية لعام 1929. ولم يكن الإثيوبيون طرفا في الاتفاق، الذي تزعمت المملكة المتحدة التفاوض مع مصر نيابة عن إثيوبيا والعديد من بلدان حوض النيل الأخرى التي يسيطر عليها البريطانيون.

 

وفي أبريل 2011، عندما أطلقت إثيوبيا مشروع سد النهضة، لم تشاور مصر ولا السودان ، مؤكدة أن المسألة متعلقة بالسيادة الإثيوبية.

 

وعرفت السلطات المصرية جيدا أن النيل الأزرق ، الذي جرى بناء سد النهضة على ضفافه هو المصدر الرئيسي للنيل، وبالتالي يوفر الكثير من المياه التي تعتمد عليها البلاد بشكل كبير.

 

 لذلك أطلقت أجراس الإنذار في القاهرة، وما زاد الطين بلة، أن إثيوبيا توقفت عن السماح بإجراء تقييم للأثر البيئي والاجتماعي للسد، وهو أمر مطلوب بموجب القانون الدولي لمشاريع من هذا النوع. ومرة أخرى، أكد الإثيوبيون أن المسألة تتعلق بالسيادة.

 

وعلى الرغم من معارضة القاهرة في البداية لفكرة سد النهضة ومجادلتها بأن المعاهدة الأنجلو- مصرية منحتها حق النقض ضد أي مشروع من هذا القبيل، إلا أن مصر تراجعت في عام 2012 وأظهرت درجة من المرونة.

 

وفي ذلك العام ، وافقت مصر وإثيوبيا والسودان على تكليف فريق خبراء دولي بدراسة التأثير المحتمل لبناء سد النهضة. في مارس 2015 ، وقعت الدول الثلاث إعلان المبادئ (DoP) في الخرطوم.

 

ووفقا لأحكام هذا الاتفاق، ستنفذ إثيوبيا توصيات الفريق التي تشمل تقييم الأثر البيئي. واعتبر العديد من المراقبين أن هذا يمهد الطريق للتوصل إلى اتفاق أكثر تفصيلا بين البلدان الثلاثة، وهو اتفاق من شأنه أن يضع قواعد وحدود لملء السد وطريقة تشغيله. ومع ذلك، عادت إثيوبيا في وقت لاحق إلى موقفها الأصلي ورفضت السماح بإجراء تقييم الأثر البيئي.

 

ومن المنظور المصري، والآن بعد أن قبلت البلاد حتمية تشغيل السد ، فإن من بين المخاوف هي أن التعبئة الأولية لخزان سد النهضة لا تسير بسرعة كبيرة، وتصر الحكومة المصرية على ملء بطيء من اثني عشر إلى واحد وعشرين عاما لمنع التحديات الرئيسية للأمن المائي في مصر، لكن الحكومة الإثيوبية تصر على إكمال العملية في غضون ست سنوات من أجل زيادة قدرتها على توليد الطاقة، وهو شاغل رئيسي لأن أكثر من نصف سكان إثيوبيا لا يحصلون على الكهرباء.

 

وبالنظر إلى أن مصر تتوقع أن تواجه ندرة المياه في أقرب وقت عام 2025 ، فإن الحكومة المصرية ترغب في ضمان عدم تأثر تدفق النهر إلى دول المصب بإعادة تعبئة إثيوبيا للخزان خلال فترات الجفاف الطويلة، عندما يتراجع مستوى مياه النيل الأزرق بسبب نقص الأمطار.

 

وفي فبراير 2020، بدت مصر وإثيوبيا والسودان على وشك حل خلافاتها، وكانت آخر عشر جولات من المفاوضات تمتد على مدى خمس سنوات قد جرت في واشنطن العاصمة تحت رعاية كل من إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب والبنك الدولي.

 

 من هذا الماراثون التفاوضي ولدت اقتراحات لكن عندما يتعلق الأمر بالتوقيع عليها، تراجعت إثيوبيا متعللة بالقلق من أن المقترحات أو لنسمها الأحكام ستنتهك سيادة البلاد.

 

 وبعد بضعة أشهر، كررت الحكومة الإثيوبية نيتها البدء في ملء خزان السد في يوليو، واعتبرت مصر هذا التحرك الأحادي يتعارض مع القمة، ودعت على الفور مجلس الأمن الدولي إلى إدانته.

 

وبعد ذلك بوقت قصير، شارك الاتحاد الأفريقي في المفاوضات وتمكن من إقناع مصر وإثيوبيا باستئناف المفاوضات تحت رعايته.

 

 وبحلول ذلك الوقت، كانت العلاقات المصرية الإثيوبية قد تدهورت، مما دفع الطرفين إلى وضع صيغة سيئة إلى حد ما وتستغرق وقتا طويلا للمفاوضات الثلاثية بين مصر وإثيوبيا والسودان، وأحيانا بحضور مسؤولي الاتحاد الأفريقي وأحيانا لا.

 

ومع ذلك، فشلت المفاوضات في تحقيق نتائج ملموسة، بل وأدت إلى خلاف بين السودان من جهة ومصر وإثيوبيا من جهة أخرى فيما يتعلق بمدى مشاركة الاتحاد الأفريقي، وفي الوقت نفسه، فإن الخطر الحقيقي هو شعور مصر بنفاد الوقت.

 

هل يكون للسودان دور يكسر الجمود؟

 

قد تبدو المشكلة مستعصية على الحل، نظرا لتعنت إثيوبيا وتمسك مصر بالصبر الذي أوشك على النفاد، ومع ذلك ، فإن حل النزاع، أو على الأقل منعه من اتخاذ منحى عسكري وبالتالي يخرج الأمر عن السيطرة، يتطلب تدخلا حازما ومستمرا من قبل طرف ثالث.

 

في البداية، قد لا يبدو الأمر كما لو أن السودان في وضع جيد للقيام بمثل هذه المهمة، حيث تمر البلاد بمرحلة انتقالية هشة إلى الديمقراطية بعد عقود من الحكم الاستبدادي، في حين أن اشتعال العنف في دارفور، وهو إقليم غربي على حدود السودان مع تشاد، قد يشير إلى عودة الصراع العرقي الذي طال أمده في تلك المنطقة المضطربة.

 

علاوة على ذلك، توترت العلاقات السودانية الإثيوبية في الآونة الأخيرة ، حيث أصبح السودان متورطا بشكل متزايد في مواجهة عنيفة مع إثيوبيا حول منطقة الشفتة الحدودية.

 

هذه العوامل، قد لا تؤهل السودان للتوسط بين مصر وإثيوبيا، لكن الخرطوم هي أكثر مرونة بكثير من القاهرة عندما يتعلق الأمر بسد النهضة.

 

ومثل مصر، يشعر السودان بالقلق إزاء كمية المياه التي ستستمر في التدفق في اتجاه مجرى النهر بمجرد أن يصبح سد النهضة جاهزا للعمل، ومدى تأثير ذلك على سد الروصيروص السوداني.

 

وحذر السودان إثيوبيا مؤخرا من المضي قدما في المرحلة الثانية من ملء الخزان دون التوصل إلى اتفاق بشأن هذه المسألة، ومع ذلك ، فإن السودان سيستفيد من الكهرباء الأرخص التي سيولدها السد، والري الأسهل الذي سيمكنه من زراعة مساحات جديدة، واحتمال حدوث فيضانات أقل إذا سارت الأمور بسلاسة.

 

وعلى الرغم من أن السودان كان لديه خلافاته مع كل من مصر وإثيوبيا ، إلا أنه امتنع عن الانحياز إلى أي منهما، ومثل هذا الحياد النسبي هو سمة إيجابية يمكن أن تساعد الخرطوم على اكتساب ثقة كلا الجانبين، علاوة على ذلك، هناك ثلاثة عوامل إضافية تضع السودان في وضع جيد لإطلاق مبادرة وساطة مضاعفة.

 

العامل الأول

 

وقد يكون السودان طرفا ثالثا في أي نزاع يقع بين مصر وإثيوبيا، ومن المحتمل أن يتحمل السودانيون المدنيون وطأة مثل هذا الصراع.

 

ونظرا لموقع السودان الجغرافي، سيجد نفسه محاصرا في وسط أي مواجهة عسكرية،  وفي الواقع لا تشترك مصر وإثيوبيا في حدود على هذا النحو الذي يجعل السودان إلى أرض حدودية وساحة معركة.

 

 ومن شأن المجال الجوي السوداني وحتى أراضيه أن يواجه انتهاكات دورية، ويمكن أن تؤدي غارة جوية مصرية على خزانات سد النهضة إلى فيضان في الأراضي السودانية، لذلك فإن منع حدث الخيار العسكري هو مصلحة أمنية وطنية سودانية من الدرجة الأولى.

 

العامل الثاني

 

أما العامل الثاني فيتعلق أيضا بالاحتمال الخطير للفيضانات، وإن لم يكن من النوع الذي تسببه غارة جوية، ويخشى السودان من أن يؤدي افتقار تنظيم عمليات سد النهضة إلى أخطاء فنية يمكن أن تسبب فيضانات في ظروف معينة.

 

وبالنظر إلى موقع سد النهضة، فإن الفيضانات ستسبب كارثة لسكان ولاية النيل الأزرق في جنوب شرق السودان ، التي تتاخم بني شنقول-قماز الإثيوبية، وربما غيرها من المناطق الأخرى.

 

ولا يزال السودان يعاني من آثار فيضان النيل الأزرق المدمر في سبتمبر 2020 ، الذي أثر على ثلث الأراضي المزروعة في البلاد وعلى حوالي ثلاثة ملايين شخص، منهم أكثر من 100 لقوا حتفهم.

 

العامل الثالث

 

والعامل الثالث هو تحسن الوضع الإقليمي والدولي الذي سيحققه السودان من خلال الوساطة الناجحة، حيث يحاول السودان بنشاط إحداث كسر مع ماضيه القريب كدولة منبوذة.

 

وتم اتخاذ خطوات مبدئية نحو الديمقراطية في إطار جزء من هذه الاستراتيجية، ولكن هناك الكثير الذي يمكن للخرطوم القيام به للإشارة إلى وصول السودان الجديد على المسرح الإقليمي والدولي.

 

واختتم موقع كارنيجى بأن تخفيف خطر الصراع بين قوتين إقليميتين وإقناعهما بالتوصل إلى تسوية تفاوضية من شأنه أن يعطي دفعة هائلة للحكومة السودانية الناشئة، وكذلك زيادة نفوذ السودان في القرن الأفريقي.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    اعلان