رئيس التحرير: عادل صبري 03:30 صباحاً | الخميس 03 ديسمبر 2020 م | 17 ربيع الثاني 1442 هـ | الـقـاهـره °

مجلة ألمانية: «الوصم الاجتماعي» يطارد العاملين بمشرحة زينهم

مجلة ألمانية: «الوصم الاجتماعي» يطارد العاملين بمشرحة زينهم

أخبار مصر

فني التشريح هشام محمود ومغسل الجثث الشيخ سعيد في حديث أمام مشرحة زينهم

هكذا يعاني «أصدقاء الموتى»

مجلة ألمانية: «الوصم الاجتماعي» يطارد العاملين بمشرحة زينهم

احمد عبد الحميد 25 أكتوبر 2020 19:02

 يتذكر يوسف محمد،  قائلًا: "من أصعب اللحظات في حياتي عندما قرأت ابنتي اسمي في الجريدة واكتشفت أنني أعمل بالمشرحة"، لقد "صدمتني بسؤالها: لماذا تفعل هذا؟ "، هكذا استهل تقرير مجلة زينيت الألمانية بعنوان ''أصدقاء الموتى'' حول وصمة العار التي تلاحق العاملون في مجال الطب الشرعي من المجتمع المصري.

 

 

وكانت كلمات ابنة محمد البالغة من العمر 13 عامًا بمثابة صفعة على وجه والدها الذي يعمل  فني تشريح في مشرحة زينهم جنوب القاهرة.

 

ويرى فني التشريح المصري أنّه عندما تكبر ابنته وتصبح طبيبة، ستفهم حينها أنّ والدها يعمل في وظيفة مُشرّفة، وأنه ليس جزارًا، كما يعتقد الكثيرون.

 

وحاول محمد كثيرًا أنْ يشرح لابنته دوافعه، ويوضح لها أنّ وظيفته تهدف إلى إظهار الحقائق وترسيخ العدالة بين الناس، لأنّ هؤلاء الموتي الذين تتعرض جثثهم للتشريح لم يعودوا قادرين على التحدث عن أنفسهم وإظهار الحقيقة، بيد أنّ ابنته المراهقة تجد صعوبة في استيعاب ذلك، فهي كانت خائفة من الذهاب إلى المدرسة والتعرض للوصم من قبل زميلاتها، الأمر الذي  جعل والدها محمد أن يفكر بجدية في الاستقالة، والبحث عن وظيفة أخري حتى لا تنزعج أسرته.

عاملون بالمشرحة يخفون أنفسهم ويفضلون عدم التعرف عليهم

 

وأوضحت المجلة الألمانية أنّ محمد يعاني أيضًا خارج نطاق الأسرة بسبب وظيفته، حيث يصفه الناس بأنه صياد جثث، وعندما يضطر لإبراز بطاقة هويته، ينظر إليه الضباط على أنه عزرائيل، ملك الموت"

 

وتابع التقرير أنّ وصمة العار ترافق محمد في كل مكان،  فلا أحد يعرف وظيفته سوى والدته وإخوته وأصدقائه المقربين، ووصل الأمر معه إلى إبقاء وظيفته سراً عن زوجته، وعندما اكتشفت، استغرق الأمر بعض الوقت حتى تتقبل الأمر الواقع.

 

ويقضي محمد معظم يومه بين ثلاجات الجثث، ويقول إنّه كان من الصعب عليه في البداية  تقبل العيش والأكل والنوم بسبب رائحة  الموتى التي لا تطاق، غير أنّه الآن يحب عمله.

 

 ولا يزال محمد مستاءًا للغاية من ردود أفعال من حوله، لا سيما أنّ البعض كانوا يتجنبونه منذ أن اكتشفوا وظيفته، كما لو كان مصابًا بالبرص أو الجزام، لكنه وبرغم ذلك، يُصرعلى أنّ مهنته مُشرّفة، فهو ليس  لصًا او قاتلًا، حتى يتعرض للوصم بهذا الشكل.

 

وأضافت المجلة أنّ محمد يحاول التعايش مع وصمة العار، ويبحث عن ملجأ في العزلة، لدرجة أنّه بات يُفضل الموتى على الأحياء، ولكن بسبب الأزمة الاقتصادية في البلاد، يتعين عليه الاستمرار في وظيفته، لأنه بحث طويلًا عن وظيفة أخرى، ولكن دون جدوى.

 

واستطرد محمد للمجلة الألمانية قائلًا إنّه لا يستطيع النوم في الليل، إذ يفكر دائمًا في كيفية التعامل مع الشخص الذي سيتقدم في يوم من الأيام لطلب يد ابنته، حيث ستريد عائلته معرفة مصدر كسب الوالد.

 

دينا شكري، أستاذة الطب الشرعي ورئيسة الاتحاد العربي للطب الشرعي، تنتقد التصور الاجتماعي للطب الشرعي، وتُصرح قائلة:  "نحن لا نقوم بتشريح الجثث طوال اليوم.. 85% من عمل الطب الشرعي يقوم على دعاوى قضائية في سياق التحرش الجنسي والجرائم الجنسية''، كما شدّدت على أنه من غير المقبول اتهام علماء الطب الشرعي بتشويه الجثث.

 

ويوضح أيمن فودة، الرئيس السابق لـ "الهيئة المصرية للطب الشرعي، في مقابلة مع مجلة زينيت، أنّ التراخيص المهنية في هذا المجال ينظمها المرسوم التشريعي رقم 96 لعام 1952، وهو قانون عفا عليه الزمن من عهد الملك فاروق، مضيفًا أنّ  العديد من كليات الطب الشرعي في الجامعات تُقدم تدريبًا كاملًا، لكن الخريجين غالبًا ما يعملون فقط في تقديم المشورة في مصر، ولا يُسمح لهم بإجراء عمليات التشريح.

 

وبدلاً من ذلك، تقوم دول عربية أخرى بتوظيف الأطباء الشرعيين المصريين، ولذلك حاول "فودة" خلال فترة عمله الحد من سفر الأطباء  الشرعيين إلى الخليج،  وحدَّد توظيف العمالة في الخارج بمدة ست سنوات، وإذا أراد العمالة المسافرون تمديد وقتهم في الخارج، فسيتعين عليهم التخلي عن منصبهم الأصلي في مصر. 

 

 

أماني عبد الحكيم، واحدة  من الذين غادروا البلاد، حيث عملت من 2017 إلى 2019  كأستاذة مساعدة في الطب الشرعي في المملكة العربية السعودية،  تعيش الآن في مصر مرة أخرى وتدرس في جامعات مختلفة. 

 

وتصرح عبد الحكيم للمجلة بأنّ الأطباء الشرعيين يغادرون مصر  في الغالب من أجل المال، ففي الخارج ، يكسبوا بسهولة عشرة أضعاف المبلغ الذي يتقاضونه في بلدهم، بالإضافة إلى أنهم يعملون في الخارح باستخدام أحدث المعدات، كما أنّ ظروف العمل في الغرب أفضل، على سبيل المثال، في الولايات المتحدة ، فإنّ المهنيين الطبيين والأطباء النفسيين وأطباء الأسنان وأطباء الأسنان هم الأعلى من حيث الأجر.

 

ونقلت المجلة الألمانية عن هشام محمود فرج ، فني تشريح في مشرحة زينهم، قوله إنّ الناس يُصورون الأطباء الشرعيين على أنهم جزارون بلا قلب، مشيرًا إلى أنّ بعض أصدقائه المقربين يسخرون من عمله ويصفونه بالقاتل، لكنه لا يكترث بذلك، فهو يحب عمله و فخور بمايفعله.

 

ويتذكر فرج أنه دخل المشرحة لأول مرة منذ ستة أعوام، وكان يشعر  برهبة غريبة عندما كان يحدق في ثلاجات الجثث وحين رأى الدم المتناثر في غرف الموتى، إلا أنّه وبرغم ذلك، كان يراقب الموظفين بعناية، وكان مفتونًا بشكل خاص بعمل خبراء الطب الشرعي ويرغب في معرفة أدق التفاصيل. 

 

وعندما علم والده برغبة ابنه في العمل في التشريح، عارضه على الفور،  لكن فرج أصر، كونه شغوفًا  بالعمل في المشرحة، فهو  لا يخاف من جثث الموتي، بل يشعر أنه يمكنه من خلالهم أن يرى الناس على حقيقتهم في ذلك المكان.

 

وفي البداية، فقد فرج شهيته  للطعام بسبب الرائحة الكريهة للموتى المنتشرة في كل مكان، لكنه تكيف تدريجياً مع بيئته القاتمة، مضيفا أنّه  حتى يومنا هذا لا يستطيع التوقف عن التفكير في جثة الفتاة التي ماتت في انفجار كنيسة الوراق عام 2013، وكانت ترتدي فستان زفاف أبيض وصندلًا جديدًا، حيث انهمر في البكاء بسببها.

 

.وواصلت المجلة: في 13 مارس  2016، انطلق كمال مصطفى، إلى المشرحة لإعداد المعدات اللازمة لتشريح جثة الطبيب الشرعي، لكنه لم يكن على ما يرام في ذلك اليوم، فكان متعبًا جدًا ويعاني من صعوبة في التنفس، ولذا حثه زملاؤه على مراجعة الطبيب، وتبين أنه يعاني من مرض السل.

 

والتقت مجلة زينيت بمصطفى في منزله المُكوّن من طابقين في محافظة البحيرة الساحلية، حيث يعيش مع زوجته وأطفاله الأربعة، ووافق على التحدث عن قصته، قائلًا: ''عملت في قطاع الأمن في الإمارات لمدة عامين، وبعد عودتي إلى مصر ، تقدمت بطلب إلى المشرحة،  وأتيحت لي فرصة جيدة، وحصلت على الوظيفة كفني تشريح "

 

وبعد بضعة أشهر فقط، تدهورت صحته بشكل كبير، حيث اصيب بالسل أولاً، ثم  أيضًا بالتهاب المفاصل الروماتويدي، مما زاد من ألمه، وقبل أن يبدأ مصطفى عمله في التشريح في أكتوبر 2012 ، أكدت العديد من الفحوصات الطبية أنّه" كان يتمتع بصحة جيدة.

 

وكان الأمر صعبًا بشكل خاص بالنسبة له عندما طلب الطبيب من زوجته وأطفاله إجراء اختبار السل أيضًا، ويقول مصطفى: "لحسن الحظ كانت النتائج سلبية".

 

 

وأردف: "كنت اضطر كل يوم إلى ابتلاع 23 حبة قبل ساعتين من الإفطار لمدة ستة أشهر، وكنت مضطرًا أيضًا لأخذ إجازة غير مدفوعة الأجر''.

 

 وتابع مصطفى أنّ زوجته حاولت إقناعه بالاستقالة حتى لا يعرض نفسه لمزيد من الخطر، لكنه رفض، وما زاد الطين بلة، أن نجله أصيب بثقب في قلبه، ولهذا اضطر للذهاب إلى المستشفى لإجراء فحوصات منتظمة، وبذلك أصبحت تكلفة العلاج للأب والابن عبئًا ثقيلًا على الأسرة.

 

ويعمل أخوان لمصطفى أيضًا في الطب الشرعي، ولكنهما في الإمارات العربية المتحدة وفي ظل احتياطات مختلفة تمامًا للسلامة والنظافة، ولم يخطر ببالهما مطلقًا أن  يتعرض أخاهم مصطفى يومًا ما لخطر صحي يهدد حياته بسبب المهنة.

 

وفي مقابلة مع المجلة، يوضح أمجد الحداد، رئيس قسم الحساسية والمناعة بمعهد التطعيم المصري، أنّ الأمراض المعدية لن تنتقل من الجثث إلى الأحياء ما دام يتم اتخاذ الاحتياطات الوقائية. 

 

 

وانتقلت المجلة الألمانية إلى محمد إسماعيل، عامل آخر بمشرحة زينهم، يعاني أيضا من مشاكل صحية، حيث صُدم عندما علم بالصدفة أن أحد الموتى الذين فحصهم گان مصابًا بالإيدز. 

 

وأضاف إسماعيل قائلًا:  "تخيل أنك تعمل على جثة، وتنشر عظامها، وفي هذه الأثناء، يتناثر دم الرجل الميت  عليك، ثم تكتشف لاحقًا أن هذا الميت كان مصابًا بالإيدز''.

 

ويريد إسماعيل إنهاء حالة عدم اليقين بالخضوع لفحص طبي للتأكد من انتقال عدوى مرض الإيدز إليه، لكنه لم يستطع تحمل الألف جنيه، مضيفا أنّ المستشفى لم تقدم له أي فحوصات طبية أو إجراءات وقائية منذ أن بدأ العمل في المشرحة.

 

 

بيد أنّ الطبيب محمد صدقي، رئيس قسم أمراض الثدي بجامعة الأزهر، مقتنع بأنّ الإيدز ينتقل فقط عن طريق الدم المباشر أو الاتصال الجسدي، ومن المستحيل أن ينتقل من جثة إلى إنسان حي.

 

ويبدو أنّ رأي إسماعيل يطابق رأي أيمن فودة، عامل آخر في التشريح، والذي يؤكد أنّ التشريح ينطوي على مخاطر عالية، ليس فقط من حيث انتقال الأمراض من الجثث إلى الأحياء، ولكن أيضًا بسبب الغازات السامة المنبعثة، لذا لا يطالب فقط بتطبيق إجراءات التعقيم النظافة، بل بسن بقانون يحمي الأطباء الشرعيين و يمنحهم الرواتب التي تتناسب مع مخاطر عملهم.

 

 وفي 16 مارس 2020 ، طلبت الجمعية الطبية المصرية من الرئيس السيسي زيادة المنح الخاصة بالعمل مع الأمراض المعدية، حيث لم ترتفع العلاوات  جنيها واحدًا في السنوات الخمس والعشرين الماضية.

 

  وبين ثلاجات مشرحة زينهم، التقت المجلة بالشيخ سعيد، اقدم مغسل جثث بمشرحة زينهم، والذي يتذكر  قائلاً: "لقد تركت المدرسة منذ 47 عامًا لمساعدة أسرتي المعدمة على العيش، وعملت مع والدي كنقّاش لمدة 23 عامًا".

 

 

 وقبل أن يبدأ الشيخ سعيد العمل في مشرحة زينهم التقى بامرأة  تعيش أيضًا في حي إمبابة بمحافظة الجيزة، وكانت قد طلبت منه المساعدة في التوظيف بالمشرحة لتغسيل الموتى، حيث أرادت  أيضًا الاستمتاع بهذه المكافأة  الربانية التي ءتوصلها إلى الجنة في الآخرة، وبالفعل ساعدها سعيد في الحصول على الوظيفة، وعمل الاثنان معًا لسنوات عديدة، إلى أن ازدهر حبهما بين الجثث، وتزوجا.

 

 

واليوم يعيش الشيخ سعيد الملقب بصديق الجثث، في شقة متواضعة في إمبابة، ولديه ابنتان وولدان و 13 حفيدًا يعيشون جميعًا في مكان قريب، ومتزوج أيضًا من ثلاث نساء أخريات، وجميعهن يعملن أيضًا في المشرحة.

 

 

أمضى سعيد نصف حياته في غسل الجثث بعيدًا عن صخب الحياة اليومية، وهو  فخور بعمله ويخبر الجميع عنه، ومقتنع تمامًا أنّ الله سيكافئه على ذل.

 

وفي كل صباح يرتدي الرجل ذو اللحية البيضاء قبعته ويذهب إلى جثته، يقضي معظم اليوم في المشرحة، ولا يعود إلى المنزل إلا في وقت متأخر من المساء، ثم يقضي الوقت مع أحبائه.

 

 ويقول سعيد إنّه لن ينسى أبدًا عام  2012 عندما قُتل 74 شخصًا في استاد بورسعيد، حيث غسّل جثث هؤلاء الشباب المنتمين للألتراسالأهلاوي،  ويقول باكيًا "إنهم في إحدى اللحظات كانوا يرتدون قمصانهم الحمراء، وعندما صلوا إليه كانوا ملفوفين بأكفان بيضاء".

 

 

كما تتذكر زوجة الشيخ سعيد أسوأ لحظاتها في المشرحة، وذلك  يوم استقبلت جثة شابة أحترقت يوم زفافها، وكانت آثار الحناء على يدها،  وهذا حطّم قلبها.

 

المجلة الألمانية أوضحت أنّ العاملين بالمشرحة الملقبين  ب "أصدقاء الموتى" لم يتخلوا أبدًا عن الأمل في أنّ المجتمع سيعترف بعملهم ويحترمهم يومًا ما.

 

رابط النص الأصلي

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    اعلان