رئيس التحرير: عادل صبري 12:54 مساءً | الثلاثاء 11 مايو 2021 م | 29 رمضان 1442 هـ | الـقـاهـره °

«الفشقة».. ماذا وراء أزمة الحدود السودانية الإثيوبية؟ (فيديو)

«الفشقة».. ماذا وراء أزمة الحدود السودانية الإثيوبية؟ (فيديو)

العرب والعالم

أزمة الحدود السودانية الإثيوبية

«الفشقة».. ماذا وراء أزمة الحدود السودانية الإثيوبية؟ (فيديو)

أيمن الأمين 15 مارس 2021 13:57

منذ نهاية العام الماضي، لم تهدأ الحدود السودانية الإثيوبية، زادت التصعيد فيها إبان المعارك التي قادتها حكومة إديس أبابا ضد جماعة "التيجراي" الإثيوبية.

 

ومؤخرا، شهدت المناطق الحدودية بين إثيوبيا والسودان تصعيدا متزايدا في الساعات الأخيرة، يقف خلفه قادة إقليم الأمهرة الإثيوبي، وذلك في محاولة للتأكيد على إمساكهم بزمام السلطة في أديس أبابا.

 

فعلى مدار العقود والسنوات، شهدت الخرطوم نزاعات بشأن حدودها مع أكثر جيرانها، ففي الجنوب عانت البلاد طويلًا إلى أن انقسمت وظهرت دولة جنوب السودان، وفي الشرق، يعود النزاع على الحدود مع إثيوبيا إلى أكثر من 120 عامًا، عندما أتمت بريطانيا احتلالها للسودان، وبدأت في ترسيم حدوده مع جيرانها، وفي ذلك الوقت، وكما في كل وقت، كانت الموازنات السياسية تحكم البريطانيين، الذين يمكن القول إنهم صاغوا الاتفاقات بغموض يسمح بتأويلها من الأطراف المختلفة، كلٌ على هواه.

 

لكن الخلاف الذي كان خافتًا خلال أكثر السنوات الماضية، عاد ليظهر بعنف هذه المرة. فقد شهدت المنطقة المتنازع عليها، والتي تسمى "الفشقة"، ويقطنها مئات المزارعين الإثيوبيين رغم أنها تقع داخل أرض السودان، أكثر من احتكاك ومناوشة بين الجيش السوداني وقوات إثيوبية، غالبًا ما تكون تابعة لمليشيات قريبة من الحكومة. وفي الأسبوع الثاني من نوفمبر 2020، بدأ الجيش السوداني بسط سيطرته على المناطق التي لم ينتشر فيها منذ ربع قرن تقريبًا معلنًا موقفا جديدا، ومثيرًا الجانب الإثيوبي.

 

 

التحرك السوداني على الحدود أقلق أطرافًا عدة، وجعل الكثيرين متأهبين لتدهور الأوضاع في القرن الأفريقي.

 

ما قصة الفشقة؟

 

تعد الفشقة، منطقة متاخمة للحدود الإثيوبية السودانية. يحدها شمالًا نهر ستيت، وشرقًا نهر عطبرة. وتنقسم الفشقة إلى الكبرى: ويحدها نهر ستيت شمالًا وبحر باسلام جنوبًا ونهر عطبرة غربًا، والصغرى: ويحدها شمالًا بحر باسلام، وغربًا نهر عطبرة، وشرقًا الحدود مع إثيوبيا. وهي أرض شديدة الخصوبة، تخترقها العديد من الأنهار الموسمية، وتبلغ مساحتها 251 كيلومترًا مربعًا، وتقدرها مصادر أخرى بـ600 كيلومتر مربع.

 

والفشقة تحدها الأنهار من جميع جوانبها داخل السودان إلا جانب الحدود مع إثيوبيا، وهو ما يفرض عليها عزلة عن بقية الأرض السودانية خاصة خلال مواسم الفيضان.

 

خصوبة المنطقة وعزلتها الطبيعية جعلتها مطمعًا لإثيوبيا، التي تظهر منها مجموعات منذ خمسينيات القرن الماضي للقيام بعمليات نهب وسلب وطرد للمزارعين السودانيين. هذه المجموعات بدأت كمزارعين على الجانب الإثيوبي من الحدود، لكنهم سرعان ما استعانوا بمليشيات يطلق عليها اسم "الشيفتا" تنشط تحديدًا في مواسم الفيضان والحصاد في الخريف من كل عام.

 

 

لكن الخصوبة ليست السبب الوحيد للتدخلات الإثيوبية، التي وصلت إلى حد إنشاء قرى ومدن كاملة على الأرض السودانية. إذ تعتقد العرقية الأمهرية الإثيوبية اعتقادًا راسخًا بانتماء أراضي هذه المناطق إليها تاريخيًا، ولا يرى أبناء الشعب الأمهري أن من حق أحد، سواء كان الإمبراطور منليك الثاني عام 1902 أو حتى رئيس الوزراء ميليس زيناوي عام 1996، أن يتخلى عن السيادة الإثيوبية عليها.

 

حكومة البشير

 

ووفق تقارير لوسائل إعلام عربية، فإنه خلال العامين الماضيين، جرت في نهر السياسة مياه كثيرة، سواء في السودان الذي شهد انتفاضة أطاحت بحكومة الرئيس عمر البشير، أو في إثيوبيا التي انتخبت قيادة جديدة عام 2018 وتشكل فيها ائتلاف حاكم لا يضم حزب جبهة تحرير شعب تيجراي، الذي كان قد عقد اتفاقات مع حكومة السودان تقضي باعتراف إثيوبيا بالسيادة السودانية على الفشقة.

 

ورغم أن التوترات الحدودية وانتهاكات الجانب الإثيوبي لم تتوقف منذ سنوات طويلة، فإن مراقبين يرون أن المكون العسكري السوداني في الائتلاف الحاكم بعد ثورة 2019، يحتاج إلى تدعيم وزنه السياسي أمام مواطنيه، وهو ما أدى إلى اتخاذه خطوات في اتجاه السيطرة على الوضع على الحدود.

 

 

جانب آخر من القلاقل يتمثل في الربط الإثيوبي بين ملف الحدود وملف سد النهضة، وهو الذي انعكس على تصاعد التوتر الحدودي مع المسارعة الإثيوبية في ملء خزان السد، ورفض إثيوبيا التوقيع على اتفاق واشنطن في فبراير 2020، وهو الذي تبعه توغل سوداني في الفشقة في مارس.

 

تطورت الأمور سريعًا، فرغم اتفاق السودان وإثيوبيا خلال جلسة محادثات عسكرية في الخرطوم في أبريل 2020 على التنسيق المشترك لضبط الحدود، وقع اعتداء في مايو أدى لمقتل وإصابة عسكريين سودانيين، وهو ما أدى بالجيش السوداني لإصدار بيان اتهم فيه الجيش الإثيوبي صراحة بدعم الهجمات على قواته ومواطنيه.

 

حرب التيجراي

 

ومع اندلاع صراع داخل الأراضي الإثيوبية بين قوات الحكومة المركزية وقوات إقليم تيجراي الذي يحده السودان من الغرب، وفرار عشرات الآلاف من اللاجئين إلى داخل الأراضي السودانية، قرر الجيش السوداني انتهاز الفرصة وإعادة الانتشار في كامل منطقة الفشقة لضبط الحدود.

 

ورغم إعلان وزير الخارجية السوداني عمر قمر الدين سيطرة جيش بلاده على كامل الحدود مع إثيوبيا في نهاية ديسمبر الماضي، استمرت هجمات مليشيات الشيفتا بحسب ما أعلن السودان. ففي 12 يناير الماضي، قالت وزارة الخارجية السودانية في بيان، إن المليشيات هاجمت منطقة "القريشة" الحدودية مما أدى إلى مقتل 5 سيدات وطفل وفقدان سيدتين.

 

 

ونشأت مليشيات الشيفتا في خمسينيات القرن الماضي كعصابات صغيرة من عرقية تُعرف باسم الولغاييت بغرض النهب، وفي منتصف التسعينيات تحولت إلى مليشيات كبيرة ومنظمة معظمها من عرقية الأمهرة، وامتلكت أسلحة رشاشة وآلية ومدفعية، وشنت هجمات منظمة على الأراضي السودانية تمكنت خلالها من تفريغ كامل (شرق) نهر عطبرة من الوجود السكاني السوداني. كما أزالت قرى وطردت المواطنين والمزارعين، وفتحت المجال أمام المزارعين الإثيوبيين للاستيلاء على تلك المواقع، وتولت حمايتهم على طول حدود ولاية القضارف.

 

مليشيات إثيوبية

 

وفي السنوات الأخيرة باتت تلك المليشيات تمارس خطف المواطنين داخل الحدود السودانية مقابل فديات، كما قتلت وأعدمت العديد من المواطنين السودانيين.

 

وتتهم السودان وأطراف أخرى الحكومة الإثيوبية باحتضان مليشيات الشيفتا ودعمها ماديا وعسكريا، ويعتبرونها قوات شبه نظامية تستغلها إثيوبيا لتحقيق أهدافها في المنطقة الحدودية بدون تورط مباشر لجيشها؛ إلا أن أديس أبابا نفت دائما أي علاقة مع تلك المليشيات بدون أن تنفي وجودها، وتصفها أحيانا بـ"المتفلتة".

 

 

في معرض توضيحه لهوية ودوافع المليشيات الإثيوبية المتنوعة وعلاقتها بالمؤسسة الأمنية الفدرالية يقول عبد المنعم أبو إدريس، الباحث السوداني المتخصص بشؤون القرن الإفريقي، في تصريحات صحفية، إن التركيبة الأمنية في إثيوبيا ذات طبيعة ثنائية منسجمة مع النظام الفدرالي الإداري المتبع في البلاد.

 

فإثيوبيا لديها الجيش الفدرالي الخاضع للحكومة المركزية، وله هيئة أركان في أديس أبابا عاصمة البلاد، ويتكون من 5 قطاعات تتوزع جغرافيا على كامل مساحة البلاد. أما القسم الثاني، فيضم قوات تتبع لكل إقليم من أقاليم البلاد العشرة تتولى قيادتها حكومة الإقليم، وهي تتكون من شقين واحد نظامي بالكامل تعينه حكومة الإقليم، والآخر عبارة عن مليشيا.

 

حكم عسكري

 

وعن ظروف تشكل هذه المليشيات وتركيبتها يقول أبو إدريس إنها تكونت أيام القتال ضد الحكم العسكري لمنغستو هايلي مريام، وحافظت على تكوينها بعد سقوطه في مايو 1991، ولديها استقلالية في إدارتها؛ لكنها تحظى بالمقابل باعتراف الحكومة، ويجوز لها الاستعانة بها في ضبط الأمن. كما أنها يمكن أن تقوم بخدمة رجال الأعمال أو الشركات مقابل المال، ويجوز لها أيضا الاستفادة من خبرات المتقاعدين من الجيش والشرطة.

 

ولا يقتصر استخدام المليشيات في حملات السيطرة، التي ترافقها عمليات نهب وقتل على إثيوبيا. فقد أشارت دراسة أعدتها عام 2008 الباحثة الأمريكية، شيري ماكفرلند، إلى أن 3 دول في القرن الأفريقي هي إثيوبيا والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية استخدمت المليشيات المحلية، إما للسيطرة على جماعات مهمشة تنشط في الجغرافيا المحلية المترامية، أو لمواجهة مجموعات متمردة أخفقت محاولات مؤسسات الدولة الوطنية في إخضاعها.

 

 

السيناريوهات الأخرى الأكثر تشاؤمًا تتضمن الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة بين البلدين، نتيجة تكرار المناوشات، لكن لا يبدو أن أحدًا من الأطراف يريد الوصول إلى هذه المرحلة.

 

أما السيناريو الأكثر تفاؤلًا فيتمثل في قبول الجانب الإثيوبي بترسيم نهائي للحدود، والاتفاق على إطار يضمن الحفاظ على مصالح القبائل الأمهرية، وتقنين أوضاع المزارعين الإثيوبيين.

 

لكن في كل الأحوال، يبدو أن السودان قد حصل على مكاسب آنية، تتمثل في حدها الأدنى في تعزيز وجوده العسكري على الحدود وفرض سيطرته على منطقة الفشقة بالكامل تقريبًا، وهو ما سيؤدي إلى تدعيم الموقف السياسي للجيش، وموقفه التفاوضي داخل البلاد مع اللاعبين السياسيين الآخرين، أو مع الطرف الإثيوبي المستنزف بالفعل جراء الصراعات الداخلية.

 

ترسيم الحدود

 

في الغضون، تطالب إثيوبيا بإعادة ترسيم الحدود مع السودان، في وقت تتطلع السلطات السودانية إلى وضع علامات الحدود، وليس إعادة ترسيمها.

 

وأفادت وكالة بلومبرج مطلع فبراير الماضي، أن الجيش الإثيوبي نشر أسلحة، من بينها دبابات وبطاريات مضادة للطائرات في منطقة الفشقة السودانية.

 

وترفض إثيوبيا الاعتراف بترسيم الحدود مع السودان، الذي تم في عام 1902، وتطالب بإعادة التفاوض بشأن الأراضي الحدودية، رغم أن اتفاقية 1902 هي التي منحت أديس أبابا إقليم بني شنقول، الذي تشيد فوق أراضيه سد النهضة، مقابل تعهدها بعدما تشييد أي سدود على النيل إلا بموافقة دولتي المصب، مصر والسودان.

 

وأدت العمليات العسكرية المستمرة بواسطة المليشيات والجيش الإثيوبي إلى تغول واستيطان المزارعين الإثيوبيين واستغلال مساحة 310 آلاف فدان بجانب 411 ألف فدان في الفشقة الصغرى.

 

كما تمددت المليشيات الإثيوبية حتى منطقة اللكدي والقضيمة في الفشقة الكبرى التي يوجد بها معسكر للقوات السودانية، حيث يوجد معسكر للمليشيات الأثيوبية داخل عمق الأراضي السودانية.

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان

    اعلان